|
الجولان السوري المحتل |
|
تمهيد احتلت إسرائيل الجولان عام 1967، وذلك إبان عدوان حزيران. وأصدرت منظمة الأمم المتحدة منذ ذلك الوقت العديد من القرارات الدولية الداعية إلى إنهاء الاحتلال، وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي المحتلة، وبضمنها الجولان. من جهتها، ترفض إسرائيل تنفيذ تلك القرارات التي أكدت على عدم مشروعية الاحتلال الذي يمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ويشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين، حيث مضى على الاحتلال أكثر من 37 عاماً متواصلة. باشرت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال بتنفيذ السياسات التي كانت الحركة الصهيونية قد أعدتها في مراحل سابقة، والتي تم التعبير عنها من خلال العديد من الرسائل التي بعث بها مؤسسو الحركة إلى العديد الحكومات، وللمؤتمرات الدولية، كتلك التي أرسلت إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس في 3 شباط/فبراير 1919، ووضعت التصورات بشأن "دولة اليهود" في المستقبل، حيث ورد فيها: "... أن جبل الشيخ يعتبر حيوياً بالنسبة لدولتنا المستقبلية، وأن سلخ هذا الجبل عن هذه الدولة من شأنه أن ينزل بها ضربة حقيقية" 1 – التغييرات القانونية
أخذت السلطات الإسرائيلية
تمهد لضم الجولان مستخدمة آليات الحكم العسكري بأن أوكلت السلطة لقادة
عسكريين – سلطة عسكرية، أسندت إليهم مهام "التشريع" من خلال إصدار الأوامر
العسكرية. وقد تمخض عن مئات الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون
في الجولان تثبيت الوضع الناجم عن الاحتلال، والمتمثل باقتلاع الغالبية
العظمى من السوريين -السكان الأصليين، والقيام بعملية تهديم واسعة وشاملة
للمدن والقرى والبلدات التي كانوا يقطنونها، وطمس معالم الحضارة العربية لهذا
الإقليم. ومن خلال الأوامر العسكرية استطاعت دولة الاحتلال السيطرة على
الأرض، ومصادر المياه، ومختلف الثروات. استمرت الإدارة العسكرية للجولان حتى تاريخ 14/12/1981 وهو تاريخ إصدار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي للقانون القاضي بضم الجولان. وأدانت منظمة الأمم المتحدة قانون الضم بصفته مخالفاً لأسس ومبادئ القانون الدولي المعاصر، وطالبت إسرائيل بإلغائه واحترام أحكام القانون الدولي التي تنظم حالات الاحتلال الحربي والالتزام بتطبيقها على الجولان وكافة الأراضي العربية التي احتلت عام 1967، كما طالبت المجتمع الدولي برفض الاعتراف به أو التعامل معه.
ينبغي التأكيد أنه يتعين على
إسرائيل بصفتها دولة احتلال تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني وفي مقدمتها
تلك المنصوص عليها في اتفاية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين
وقت الحرب لعام 1949 –لاحقاً اتفاقية جنيف الرابعة، واحترام المعايير المنصوص
عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتطبيقها على نطاق
الأراضي المحتلة بما في ذلك الجولان، الأمر الذي تؤكده منظمة الأمم المتحدة،
والمؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، وفقهاء القانون الدولي.
عملاً بنصوص الاتفاقيات
الدولية لحقوق الإنسان، أقرت منظمة الأمم المتحدة وعلى لسان الأمين العام
بمبدأ سريان هذه الاتفاقيات على الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفعلية للدول
الأطراف، بما فيها الأراضي المحتلة. ويتعين التعاطي مع المعايير المنصوص
عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان بصفتها القاعدة
الأساسية وتطبيقها على المنازعات المسلحة دون استثناء، مما يلزم إسرائيل
كدولة احتلال على احترام حقوق الإنسان في الجولان المحتل طبقاً لما هو منصوص
عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهدين الدوليين لعام
1966، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع
أشكال التمييز العنصري لعام 1965، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب
المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لعام 1984 وغيرها، بما يفضي إلى
حماية حقوق سكان الأراضي المحتلة وتعزيز احترامها.
تجمع الدول ومعظم فقهاء
القانون الدولي على ضرورة تطبيق القانون الدولي الناظم للمنازعات المسلحة وما
يترتب عليها أحياناً من واقع احتلال حربي على الأراضي العربية الخاضعة
للاحتلال الإسرائيلي. ينسحب ذلك على الجولان المحتل، حيث يتعين على إسرائيل
كقوة احتلال احترام أحكام القانون الدولي الإنساني، والالتزام بتطبيقها على
هذا الإقليم وسكانه. وعلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الوفاء بتعهداتها
طبقاً للاتفاقيات بما يفضي لإرغام دولة الاحتلال بتنفيذ التزاماتها القاضية
بتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني على الجولان المحتل وفي مقدمتها
اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب. تحاول السلطات الإسرائيلية تبرير سياساتها غير المشروعة تجاه الجولان، وممارساتها التعسفية وغير الإنسانية بحق سكانه السوريين. فقد استخدمت مئات الأوامر العسكرية الصادرة إبان فترة الحكم العسكري التي استمرت لغاية 14/12/1981 لتمرير سياسة اقتلاع السكان الأصليين ومنعهم من العودة إلى مدنهم وقراهم التي تم تهديمها، وبناء المستوطنات على أنقاضها وتوطين المستوطنين اليهود فيها، والسيطرة الأرض والمياه، وتهميش العرب السوريين الذين تمكنوا من البقاء في الجولان، والتضييق عليهم على كافة الأصعدة.
وقد استمرت السلطات
الإسرائيلية في انتهاج نفس السياسات بعد ضمها للجولان لكن هذه المرة بحجة
تطبيق القانون الإسرائيلي الذي تم فرضة على الجولان، حيث واصلت سياسة
الاستطيان، ووضع كافة مقدرات الجولان في خدمة الاستيطان والاقتصاد
الإسرائيلي، واستمرت في انتهاج سياسة التضييق على السكان السوريين في مختلف
المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك على نحو مخالف
للمعايير التي تكفلها الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولأحكام
القانون الدولي الإنساني التي يفترض سريانها على الإقليم المحتل وسكانه. وفقاً للمصادر السورية فقد بلغ عدد سكان الجولان بعيد احتلاله وتحديداً في سنة 1966 حوالي 147613 نسمة من قوميات مختلفة. شكل العرب حوالي 80% من السكان، وتوزع الباقون قوميات مختلفة ذات أصول قفقازية (الشركس، داغستان، أسيتين، شيشان)، إضافة لحوالي 3000 نسمة من التركمان، ومئات من الأرمن.
قبل الاحتلال كان الوضع
السكاني والعمراني في القسم المحتل من الجولان مغايراً عما هو عليه اليوم،
حيث كانت المنطقة عامرة بالسكان ويقطنها حوالي 138 ألف مواطن سوري موزعين على
312 مركزا سكانيا من بلدات وقرى إضافة لمدينتين هما القنيطرة الواقعة في وسط
الجولان ومدينة فيق الواقعة جنوب الجولان. أجبرت قوات الاحتلال 131 ألف نسمة
على النزوح إلى داخل سورية، وبقي حوالي 7 آلاف نسمة موزعين على ست قرى تقع في
أقصى شمال الجولان بمحاذاة الحدود السورية اللبنانية وهي مجدل شمس، مسعدة،
بقعاثا، عين قنية، الغجر، سحيتا (تم تحويل قرية سحيتا لموقع عسكري إسرائيلي،
وذلك بعد ترحيل سكانها إلى قرية مسعدة المجاورة وتهديمها بالكامل خلال
الأعوام 1971 – 1972). بموازة ذلك، نفذت قوات الاحتلال حملة واسعة استهدفت
مسح معالم باقي القرى والمدن، فقامت بتهديمها، وبنت المستوطنات على أنقاضها،
واستولت على الأراضي ومصادر المياه، ووضعتها في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي
والمستوطنين، مستخدمة الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون الذين
تعاقبوا على حكم المنطقة وإدارتها.
حالة عينية - السيد ف:
التقت مؤسسة المرصد السيد ف
المولود عام 1953 في بيته الكائن في قرية بقعاثا المحتلة، وهو يعمل في
الزراعة. ذكر السيد ف في شهادته للباحث الميداني لمؤسسة "المرصد" أن جميع
أفراد أسرته كانوا قد غادروا الجولان خلال حرب حزيران بهدف الالتحاق بأخويه
اللذان كانا يؤديان الخدمة العسكرية في الجيش السوري، وبقي بمفرده مع جدته في
قرية بقعاثا وكان عمره آنذاك 14 عام.
شرعت السلطات الإسرائيلية منذ
بدء الاحتلال في انتهاج السياسات الهادفة إلى السيطرة على كافة موارد الجولان
ومقدراته وفي مقدمتها الأرض والمياه. وقد هدفت التغييرات "القانونية" التي تم
استحداثها على صعيد الجولان إبان فترة الحكم العسكري وبعد الضم لتحقيق هذه
السياسات.
تزامن إعلان سلطات الاحتلال
عن الجولان المحتل منطقة مغلقة بإصدار الأمر العسكري رقم 20 الذي اعتبرت
بموجبه الممتلكات الخاصة المنقولة، وغير المنقولة (العقارات، النقود، الأوراق
المالية) "أموالاً متروكةً". وتم تعيين شخصية معنوية أوكلت لها المسؤولية عن
هذه الأموال، وأوكلت لها صلاحية التصرف بها وتأجيرها بواسطة الارتباط بعقود،
وشراء وبيع الأموال المنقولة. واستغل المسؤول عن "الأموال المتروكة"، - والتي
تعود ملكيتها للحكومة السورية، وللمواطنين السوريين الذين هجروا من الجولان،
- الصلاحيات الموكلة إليه لوضع جميع الأراضي التابعة لهم تحت السيطرة المطلقة
لسلطات الاحتلال والمستوطنين الذين أجيز لهم استملاكها والتصرف بها. أضف إلى
ذلك أن الغياب القسري للمالك السوري بحكم اقتلاعه من قبل المحتل الإسرائيلي
عن الأراضي المحتلة، سهل مهمة سلطات الاحتلال في التصرف بها بحكم أنه ليس
بإمكانه الدخول معها في نزاعات تتعلق بالممتلكات.
تعمدت سلطات الاحتلال
الإسرائيلي إساءة تفسير أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تجيز
للمحتل إدارة الأملاك والأراضي الحكومية، والانتفاع بها، فوظفتها في خدمة
مشروعها الذي يهدف إلى إبقاء سيطرتها على المنطقة، وتهويدها، واستيطانها. وفي
20 تموز/يوليو 1967 أصدر القائد العسكري لقوات الاحتلال في الجولان الأمر
العسكري رقم 21 بشأن الأموال الحكومية ليضع بذلك الأموال المنقولة وغير
المنقولة في الجولان والتي تعود ملكيتها للدولة السورية تحت تصرف شخصية
اعتبارية خاضعة لهذه السلطات، وأوكل لها المسؤولية عن إدارتها، والتصرف بها
بواسطة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لذلك . 2.2.3- السيطرة على مصادر المياه
بعيد الاحتلال بوقت قصير،
باشرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ جملة من الإجراءات الهادفة للسيطرة
على المصادر والثروات المائية منتهكة بذلك القواعد الدولية المنصوص عليها في
اتفاقيات لاهاي المتعلقة بقواعد الحرب البرية لسنة 1907 المتعلقة بالتزام
دولة الاحتلال باحترام الملكية الخاصة وعدم مصادرتها، وتلك التي تحظر على
سلطة الاحتلال استخدام المؤسسات والمباني العمومية والغابات والأراضي
الزراعية ومصادر المياه التي تعود ملكيتها للدولة المعادية وإدارتها إلا وفقا
لقواعد الانتفاع (المادة 55 من الاتفاقية). – تغطية النفقات الناجمة عن الاحتلال الحربي. – حماية وتوفير مصالح ورفاهية السكان المدنيين في الإقليم المحتل. انتهكت السلطات الإسرائيلية هذه المعايير، إذ استغل القائد العسكري الصلاحيات الموكلة إليه فأصدر في 24\3\1968 الأمر العسكري رقم 120، والذي نص على تعيين مسؤول له كافة الصلاحيات المتعلقة بأعمال المياه، وذلك من أجل ضمان السيطرة على مصادر المياه الموجودة في الجولان، حيث جاء في الأمر ما يلي: "... لا يجوز لأي شخص أن يقوم ولا أن يتسبب في القيام بأعمال المياه، أو بأي منها، إلا بموجب ترخيص جدي صادر عن المسؤول ووفقاً لشروط الترخيص". بعد تمكن المحتل من السيطرة على كافة مصادر المياه حرم السكان العرب السوريين من الوصول إليها واستخدامها للأغراض الزراعية هادفاً من وراء ذلك إلى ضرب القاعدة الزراعية لهؤلاء التي كانت تشكل المصدر الأساسي لدخلهم لتصبح الزراعية مصدراً ثانوياً ومكملاً. وفي الوقت الذي توفر للمستوطنين كميات غير محدودة من المياه، وبأسعار رمزية، شرعت سلطات الاحتلال مؤخراً بمد المزارعين العرب في الجولان بكميات قليلة من المياه المخصصة لأغراض الزراعة (الري)، وذلك بأسعار مضاعفة، علماً أن الكمية المخصصة للمزارع العربي السوري لا تتجاوز 10% من تلك المخصصة للمستوطن اليهودي الذي يمارس الزراعة. 2.3- المدارس وتغيير المناهج الدراسية أقدمت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال مباشرة إلى تغيير المناهج الدراسة السورية التي كان معمولاً بها في مدارس الجولان، واستبدلتها بمناهج إسرائيلية. وقد تم فرض المناهج الدراسية الجديدة على السكان العرب عنوة رغم معارضتهم الشديدة لها. ومن أخطر ما ترتب على المناهج الدراسية المستحدثة من قبل المحتل، تجاهلها التام للهوية والثقافة العربيتين، ولحضارة وتاريخ السكان المحليين، إضافة لعدم استجابتها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان بحكم انتهاكها للحقوق الثقافية للسكان، وتركيزها على البعد الطائفي وذلك في إطار محاولة فصل العرب السوريين عن جذورهم القومية، والثقافية، وعن التقاليد والتراث العربيين، والتعاطي مع الجولان كجزءً لا يتجزأ من إسرائيل. وتحتكر سلطات الاحتلال إدارة المدارس في الجولان، حيث تقوم بتعيين إدارات من الأشخاص الموالين لها، والمستعدين لتنفيذ المناهج الدراسية الموجهة لتمرير السياسات الإسرائيلية الهادفة لعزل طلبة المدارس عن محيطهم وثقافتهم العربية. وترفض السلطات وإدارات المدارس أي تدخل من قبل أهالي الطلبة لمراقبة المسيرة التعليمية، ومستوى أداء الهيئة التعليمية، أو التدخل في أساليب وطرق التعليم المتبعة، مما يجعل هذه الإدارات، والهيئات التعليمية خارج نطاق المراقبة والمساءلة، وذلك خلافاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان. 2.4- فرض المجالس المحلية:
في سياق اتباعها لسياسة الضم
بالأمر الواقع، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 1976 إلى استحداث خمس
مجالس محلية في كافة القرى السورية المحتلة، وفرضتها على السكان السوريين.
يرفض المواطنين العرب السوريين في الجولان الاعتراف بالمجالس التي تم إنشاءها
باعتبارها غير شرعية، في حين تحرص سلطات الاحتلال على تعيين لجان لإدارة هذه
المجالس من الأشخاص الموالين لها، والمتعاونين معها، مما يجعلها خارج نطاق
الرقابة والمساءلة إلا من قبل المحتل. باشرت المجالس المحلية منذ إنشاءها
السيطرة على كافة مناحي الحياة اليومية (الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية)
للسكان والتحكم بها من خلال إدارة مختلف أنظمة الخدمات كالكهرباء، والماء،
المشاريع التطويرية، البناء، المدارس بكافة مستوياتها حيث تديرها بصورة
اعتباطية وردئية للغاية لا تتناسب مع المعايير الحديثة والمتمدنة، كما أنها
لا تستجيب في غالبية الأحيان للمعايير الدنيا المفترض توافرها لضمان سلامة،
ورفاه، وراحة السكان. ينطلق علم التخطيط المكاني من مفهوم إيجاد البنى التحتية التي من شأنها أن تساهم في تطوير الظروف المعيشية للإنسان، وبالتالي من أجل رفاهيته. فسياسة التخطيط المكاني ما هي إلا إنعكاس لإرادة السلطة في كيفية رسم وتشكيل البيئة الحياتية للفرد والمجتمع الواقعين تحت سيطرتها. لكن سياسة التخطيط التي تنتهجها إسرائيل تجاه مواطنيها العرب وفي الأراضي المحتلة تقوم على التمييز، وبالتالي تهدف فقط إلى تحقيق مصالح وحاجيات الجهة المسيطرة (اليهود) ومن ثم تهميش حاجيات ومصالح الفئة المسيطر عليها (العرب).
تنتهج السلطات الإسرائيلية
سياسة التضييق على العرب السوريين في الجولان فتمنعهم من البناء لأغراض
السكن، والبناء لأغراض التطوير، وإقامة المشاريع التطويرية فتصادر الأراضي،
وتعلن عنها مناطق خضراء أو مناطق حيوية للمصلحة العامة، وذلك لمنعهم من
استخدامها لأغراض البناء وغيرها.
إن وضع القرى العربية في
الجولان المحتل يتميز بمستوى منخفض من حيث توفر البنى التحتية وجودتها،
فالسكان العرب يعانون جراء انتهاج سلطات الاحتلال لسياسة التضييق العمراني
تجاههم، والنقص الخطير الحاصل على صعيد تطوير الأمور الحيوية من حيث وضع
الشوارع، ومياه الصرف، وتطوير بناء المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية،
توفير بنى تحتية للمناطق الصناعية.
منذ بدء الاحتلال باشرت سلطات
الاحتلال الإسرائيلي باتباع مختلف السياسات الهادفة لضم الجولان - الضم
بالأمر الواقع De Facto
Annexation. وفي الوقت
الذي كان القادة العسكريون يديرون الجولان بواسطة إصدارهم للأوامر العسكرية،
دأبت سلطات الاحتلال على تمرير هذه السياسة من خلال وضع الأسس الكفيلة
بتحقيقها، فأجيز لمختلف المؤسسات الإسرائيلية الحكومية أن تمارس نشاطاتها في
الجولان، كما أنشئت محكمة مدنية إسرائيلية – محكمة الصلح – التي كان مقرها
قرية مسعدة.
بعد الإعلان عن الإضراب
المفتوح انتهجت سلطات الاحتلال سياسة العقوبات الجماعية بحق السكان العرب،
فأعلنت القرى الأربعة بمثابة منطقة عسكرية مغلقة مستندة بذلك على أحكام
المادة 125 من أنظمة الطوارئ لعام 1945. وبحلول 31 أذار فرضت قوات الاحتلال
نظام منع التجول على القرى الأربعة وذلك لغاية 2 نيسان 1982حيث حظر على
السكان مغادرة بيوتهم، أو الخروج إلى ساحات البيوت، أو حتى فتح الستائر
والنظر إلى الخارج، وانتشر آلاف الجنود في كافة القرى، وباشروا باقتحام
البيوت وتوزيع الهويات الإسرائيلية على العرب بواسطة اليد مستخدمين مختلف
الطرق لإجبارهم على استلامها. قوبلت هذه الممارسات برفض المواطنين الذين
كانوا يلقون بالهويات إلى الشوارع، وبعد انتهاء قوات الاحتلال من مهمة
التوزيع غادرت القرى في صبيحة 3 نيسان حيث خرج المواطنون إلى الشوارع ليقوم
السكان بجمع الهويات وإحراقها في الساحات الرئيسية للقرى، وإرسال قسم منها
بطرود بريدية إلى الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي.
2.6.2- الفصل من العمل لجأت سلطات الاحتلال في بداية الإضراب المناهض للضم عام 1982 لاستخدام مختلف الأساليب التي من شأنها الضغط على السكان العرب السوريين وحملهم على إنهاء الإضراب بما فيها تلك المتمثلة بحرمانهم من مصادر دخلهم، والمساس بمصادر رزقهم ومعيشة أسرهم. وفي هذا السياق، لجأت الشركات الإسرائيلية وتحديداً شركات البناء إلى اتباع سياسة فصل العمال المضربين من أماكن عملهم، وحرمانهم من التعويضات،ومصادرة مستحقاتهم المتراكمة لديها خلال ما يزيد عن عقد من العمل المتواصل. لم تنجح هذه السياسات في حمل العمال على وقف الإضراب بالرغم من أنها صادرت حقهم الأساسي في التعويض، والذي تمثل بسرقة المستحقات المتراكمة لهؤلاء، وفقدانهم لأماكن عملهم منتهكة بذلك المعايير المنصوص عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
2.6.2.1- فصل المعلمين
عملت سلطات الاحتلال بشتى
الطرق على كسر الإضراب الذي نفذه العرب السوريين في الجولان احتجاجاً على
القانون القاضي بضم الجولان. وقد استهدفت سياسات الاحتلال على هذا الصعيد
المساس بمصادر معيشة كافة الأشخاص الذين عبروا عن معارضتهم لسياسة الضم من
خلال الالتزام بتنفيذ الإضراب، والمشاركة في كافة فعالياته. وكان النشطاء من
معلموا المدارس من جملة الفئات التي تمت معاقبتها نتيجة مشاركتها في الإضراب،
حيث تم فصل عشرات المعلمين من وظائفهم دون تلقيهم لأي تعويضات تذكر. وقد تقدم
المعلمون الذين تعرضوا للفصل برفع قضايا لمحاكم العمل الإسرائيلية، غير أن
تلك المحاكم أقرت ب "شرعية" الفصل، وحرمتهم من حقهم في نيل تعويضاتهم
المستحقة، وذلك بصورة منافية لأبسط معايير حقوق الإنسان التي تكفل للأشخاص
الحق في التعويض، وتحظر الفصل التعسفي من مكان العمل. قامت اسرائيل منذ احتلالها الجولان السوري بزرع العديد من حقول الألغام الأرضية بحجة الأمن، كما خصصت مناطق شاسعة من اراضي الجولان كميادين لأغراض القيام بتدريبات عسكرية، تاركة ورائها كميات من المخلفات العسكرية التي تهدد حياة المدنيين.
تنتشر حقول الألغام البالغ
عددها حوالي 80 حقلاً في كافة أنحاء الجولان، وغالباً ما تعاني من الإهمال
بسبب تقاعس الجيش الإسرائيلي عن صيانتها، مما أدى لإلحاق أضرار جسيمة في
الأرواح بين السكان المدنيين. إذ قتل خلال فترة الاحتلال حوالي 20 شخصاً،
وجرح اكثر من 40 شخصاً نتيجة لإنفجار ألغام، أو نتيجة انفجار مخلفات الجيش
الإسرائيلي المهملة. يذكر أن هنالك العديد من الأطفال بين القتلى والجرحى.
2.8- الاستيطان في الجولان
شرعت سلطات الاحتلال في تنفيذ
مشاريع الاستيطان في الجولان بعد الاحتلال بعدة أسابيع، حيث أخذت بعض
المجموعات بالتوافد إلى المنطقة والإقامة فيها. وقد وضعت الحكومات
الاسرائيلية المتعاقية عدة خطط ومشاريع للاستيطان، أبرزها مشروع التخطيط
الزراعي للجولان الذي يعتبر الزراعة قاعدة أساسية لمراحل الاستيطان الاولى،
ووسيلة سهلة للسيطرة على الأرض وعلى مصادر المياه.
تجدر الإشارة إلى أنّ سلطات
الاحتلال شرعت مبكّراً في مصادرة المياه ووضعها تحت سيطرة شركة المياه
الحكومية. ومن المعلوم أنّ أكثرية مصادر المياه تتركز شمال الجولان، حيث تقع
القرى التي ظل سكانها فيها. ولذا فإنّ المصادرة كانت تعني منع أصحاب المياه
الشرعيين من الإستفادة منها، وذلك بتحويلها إلى جنوب الجولان، حيث السهول
الواسعة التي التي منحت للمستوطنين بعد أن تم طرد السكان الأصليين منها. خير
مثال على ذلك بركة رام الطبيعية الواقعة بين قرية مجدل شمس وقرية مسعدة والتي
تتسع لحوالي 13 مليون م مكعب من المياه، حيث تمت مصادرتها، ووضعت تحت تصرف
المستوطنين، ليتم بذلك حرمان سكان القرى العربية المجاورة لها والمحيطة بها
من الاستفادة منها.
إعتمد إقتصاد الجولان عشية
الحرب على الزراعة وتربية الحيوانات بشكل أساسي، حيث عمل في هذا القطاع أكثر
من 62% من القوة العاملة. أما قطاع الصناعة فشكلت نسبة العاملين فية أقل من
20% من القوة العاملة. وهذا مؤشر على أهمية المنطقة من الناحية الزراعية، فقد
قدّرت الأراضي الصالحة للزراعة في الجولان عام 1966 حوالي 107,150 هكتارا،
زرع منها 39,352 هكتاراً. وبالمقابل، شكلت مساحة المراعي 17,500 هكتاراً
وكانت معظم الاراضي بما فيها المراعي تعتمد على الامطار الغزيرة الكافية التي
تتيح قيام زراعات بعلية شتوية وصيفية، بالإضافة إلى وفرة الأعشاب للمراعي،
وإلى مساحات قليلة تعتمد على الري الصيفي والذي مصدره الينابيع السطحية
المحلية والبرك الطبيعية. كان القطن من الزراعات الناجحة في الجولان، فقد بلغ انتاج في سنة 1962 حوال 26 طن، وكذلك السمسم، وكلاهما يستفاد منهما صناعياً، بالاضافة إلى زراعة الفول الذي استشهر في منطقة بانياس، وزراعة محاصيل أخرى مثل الكتان واليانسون. وتأتي زراعة الأشجار المثمرة في المرتبة الثانية، وتشمل اشجار الزيتون، والتين، والرمان، والكرمة. وقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في الجولان عام 1966 حوالي 4,310 هكتاراً، انتشرت في الجزء الشمالي الاوسط من الجولان. هذا وقد اعتمد سكان الجولان على تربية الحيوانات نتيجة وفرة المراعي وغناها بالاعشاب. وأهم هذه الحيوانات الأغنام، الأبقار، الماعز، والخيل. وقد ازدهرت في الجولان تربية الدواجن، والطيور، وكذلك تربية النحل وإنتاج العسل. أمّا الصناعة فكانت تشكل قطاعاً ثانوياً، إذ عمل بجميع فروع الصناعة حوالي 5 آلاف عامل 1967 من مجموع القوى العاملة، وهي تضم الحرفيين، والصناع والمشتغلين في أعمال البناء، والنقل، والمواصلات. وقد تمركز أغلب العاملين في الصناعة في مدينة القنيطرة، ومعظمهم يعمل في صناعات حرفية صغيرة كالحدادة، والنجارة، وصناعة الأدوات الزراعية البسيطة وإصلاحها، بالإضافة إلى بعض الصناعات النسيجية اليدوية كصناعة السجاد، والبسط،والخيام، ودباغة الجلود، وصناعة الحبال. وقد شكلت مدينة القنيطرة مركزاً هاماً نسبياً ازدهرت فيه التجارة في فترة ما قبل الإحتلال. لكن هذا الازدهار لم يدم طويلاً، فابان الحرب استطاعت آلة الحرب الاسرائيلية محو واقتلاع القسم الأكبر من الجولان، وبالذات مدينة القنيطرة التي قامت سلطات الإحتلال بتفريغ البيوت فيها من محتوياتها وبيعها في اسرائيل قبل الشروع في عملية التهديم التي اسفرت عن مسح معظم مباني المدينة واحراق معظم اراضيها. 2.10- السياسة الاقتصادية لسلطات الاحتلال تجاه العرب
لقد تميزت السياسة
الاسرائيلية تجاه الجولان منذ بدء الإحتلال بالعدائية، والوحشية، وعدم
الوضوح، فعزلت مناطق السكان السوريين عن الوطن بعكس ما كان عليه الأمر في
الضفة والقطاع. انعكست هذه السياسة سلبيا على الوضع الحياتي والمعيشي اليومي،
حيث تحول المركز الذي ارتبطت به حياة الناس إلى مناطق مدمرة وخالية من
السكان. وقد أدى هذا إلى تصدع العلاقات الاجتماعية – والاقتصادية للعرب
السوريين، حيث عاودت سلطات الإحتلال منذ البدء بإعادة تشكيل هذه العلاقات بما
يتلائم مع سياساتها، ومصالحها. وقد سهلت سياسة الاغلاق والعزل هذا الامر، إذ
فرضت على السكان علاقات تجارية واقتصادية قسرية بالسوق الاسرائيلية. زد على
ذلك الموظفين والعمال الذين فقدوا أعمالهم نتيجة الاحتلال.
إنّ ما يميز سياسة الإحتلال
في الجولان هو العمل الحثيث على مصادرة الأراضي خدمة للاستيطان، أو لأغراض
عسكرية – أمنية. ونتيجة لذلك، فقد السكان اكثر من نصف أملاكهم الزراعية التي
هي عماد اقتصادهم. وقد شملت هذه المصادرات بالاضافة إلى أراض زراعية معظم
المراعي، وتم منع الحيوانات من دخولها مما اضطر اصحابها إلى هجر تربية
الحيوانات الذي كان أحد الأعمدة الاقتصادية للسكان العرب، حيث نجحت سلطات
الاحتلال في القضاء على هذا القطاع الاقتصادي الحيوي الذي اعتاش منه مئات
العائلات في الجولان. وقد تحوّلت مساحات واسعة من المراعي والاراضي الزراعية
التي صادرها الإحتلال إلى مناطق عسكرية وحقول ألغام، وحرم أصحابها من الدخول
اليها. تلعب زراعة التفاح دوراً اساسياً في مصدر دخل، وتؤدي إلى زيادة ارتباط المزارع بالارض، والحؤول دون مصادرتها باعتبارها مغروسه بالاشجار. إن سياسة الحصار والمصادرة للاراضي جعلت السكان ينجحون في تحويل قسم كبير من الأراضي البعلية إلى أراض صالحة للزراعة، وغرسها بالأشجار المثمرة عبر استثمار مبالغ طائلة فيها. لكن عملية استصلاح الأراضي الوعره لم تكن مجدي من الناحية الاقتصادية، بل مكلفة للسكان. لكن ذلك كان السبيل الوحيد للحفاظ على هذه الأرض. زد على ذلك فإن زراعة الاشجار المثمرة بحاجة الى مياه من أجل الري، وهذا ما حاولت السلطات الاسرائيليه حرمان المزارعين منه بمصادرتها لكافة مصادر المياه السطحية والجوفية. لاحقاً قام المستوطنون بانشاء مجمعات مياه اصطناعية في وسط وجنوب الهضبة، مما جعل شركة المياه موكوروت تقوم بتخصيص كميات قليلة من مياه البحيرة لري مساحات محدودة من الأراضي المجاورة والتي يمتلكها العرب لكن بمخصصات لا تتجاوز 10% من احتياجات الري وباسعار عالية وباهضة التكاليف هدفها من ذلك إكراه الناس على التخلي عن الزراعة التي شكلت وتشكل جزءً من الصمود والبقاء.
2.10.1- نشاط المستوطنين الاقتصادي للإستيطان الإسرائيلي في الجولان هدفه الإقتصادي بلا شك، حيث شرعت السلطات الإسرائيلية وبعد الإحتلال مباشرة على التثبت من السيطرة على الأراضي واقامة المشاريع والدراسات الموسعة والمعمقة لأساليب الإستغلال الإقتصادي للأراضي المنهوبة. فالأرض غنية ومتنوعة بتنوع مناخها على الرغم من صغر مساحتها، وقد راعت سياسة التخطيط الإستيطاني هذا التنوع، ويلاحظ في هذا المجال شكل الأنتشار الزراعي والصناعي والسياحي. فمثلا: الجولان الشمالي، بالإضافة الى استغلاله العسكري، يستغل للسياحة (أهم مراكز السياحة هو موقع التزلج على الثلج على جبل الشيخ، الذي يجتذب السياح في الشتاء والصيف. ومن الجدير ذكره هنا أنه تمت مصادرة قسم كبير من الأراضي التابعهلسكان قرية مجدل شمس من أجل اقامة هذا الموقع). نتيجة للطقس البارد الذي يسود شمال الجولان ووفرة مياهه، قامت سلطات الإحتلال بانشاء المستوطنات الزراعية التي اعتمدت على زراعة الأشجار المثمرة التي تتلاءم مع المناخ، حيث انتشرت زراعة التفاحيات واللوزيات والكرز. هذا بالأضافه الى اعتماد التصنيع الزراعي وإقامة بعض المعامل المختصة بعصر وتجفيف قسم من الإنتاج. أما الجولان الجنوبي المتميز بمناخ دافىء ودرجات حرارة مرتفعة فقد ركزت المستوطنات على زراعة أصناف خضار، أو فواكه استوائية مثل المانغو، والافوكادو، والموز بالأضافه الى زراعة الحبوب والقطن في السهول الجنوبيه للجولان. أن تنوع المحاصيل الزراعية وعلى مدار السنة خلق للجولان أهمية اقتصاديه ندر مثيلها. إضافه إلى ذلك، هنالك مساحات واسعة تستعمل كمراعي طبيعية نتيجة وفرة النباتات والحشائش التي تشكل علفا جيدا للماشية دون أي تكلفة تذكر، وذلك نتيجة لوفرة المياه، والأمطار الغزيرة على مدار السنة. فتربية الحيوانات تعتبر قطاعا هاما يزود إسرائيل بكميات وافرة من الحليب رفيع الجودة، واللحوم الطازجة، إضافة إلى تربية النحل، وإنتاج العسل، وتربية الأسماك في الأحواض الأصطناعية. لذلك يمكن القول أن المنتجات الزراعية والحيوانية في الجولان تسهم في تقوية الإقتصاد الإسرائيلي، هذا عدا عن مصادر كبيرة للمياه المعدنية التي اقيمت من اجلها المعامل حيث تستغل وتوزع على السوق على نطاق واسع.
أما الجانب الصناعي فله نصيبه
الهام، حيث اقيمت في الجولان عشرات المصانع والمعامل المتخصصة بمجالات انتاج
متعددة. فمثلا هناك مصانع للأدوات الكهربائية والإلكترونية، ومصانع لأدوات
التدفئة، وللصناعات التحويلية التي يتم انتاجها وتصديرها للخارج. بالأضافة
إلى قطاع صناعة الخمور المتطور نظراً لنجاعة زراعة الكرمة الملائمة لذلك في
الجولان، حيث أنه يعتبر من أجود الخمور التي تقوم إسرائيل بتصديرها إلى الدول
الأوروبية، وأمريكا الشمالية، وكندا، واستراليا.
الجولان السوري المحتل تمهيد احتلت إسرائيل الجولان عام 1967، وذلك إبان عدوان حزيران. وأصدرت منظمة الأمم المتحدة منذ ذلك الوقت العديد من القرارات الدولية الداعية إلى إنهاء الاحتلال، وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي المحتلة، وبضمنها الجولان. من جهتها، ترفض إسرائيل تنفيذ تلك القرارات التي أكدت على عدم مشروعية الاحتلال الذي يمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ويشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين، حيث مضى على الاحتلال أكثر من 37 عاماً متواصلة. باشرت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال بتنفيذ السياسات التي كانت الحركة الصهيونية قد أعدتها في مراحل سابقة، والتي تم التعبير عنها من خلال العديد من الرسائل التي بعث بها مؤسسو الحركة إلى العديد الحكومات، وللمؤتمرات الدولية، كتلك التي أرسلت إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس في 3 شباط/فبراير 1919، ووضعت التصورات بشأن "دولة اليهود" في المستقبل، حيث ورد فيها: "... أن جبل الشيخ يعتبر حيوياً بالنسبة لدولتنا المستقبلية، وأن سلخ هذا الجبل عن هذه الدولة من شأنه أن ينزل بها ضربة حقيقية" 1 – التغييرات القانونية
أخذت السلطات الإسرائيلية
تمهد لضم الجولان مستخدمة آليات الحكم العسكري بأن أوكلت السلطة لقادة
عسكريين – سلطة عسكرية، أسندت إليهم مهام "التشريع" من خلال إصدار الأوامر
العسكرية. وقد تمخض عن مئات الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون
في الجولان تثبيت الوضع الناجم عن الاحتلال، والمتمثل باقتلاع الغالبية
العظمى من السوريين -السكان الأصليين، والقيام بعملية تهديم واسعة وشاملة
للمدن والقرى والبلدات التي كانوا يقطنونها، وطمس معالم الحضارة العربية لهذا
الإقليم. ومن خلال الأوامر العسكرية استطاعت دولة الاحتلال السيطرة على
الأرض، ومصادر المياه، ومختلف الثروات. استمرت الإدارة العسكرية للجولان حتى تاريخ 14/12/1981 وهو تاريخ إصدار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي للقانون القاضي بضم الجولان. وأدانت منظمة الأمم المتحدة قانون الضم بصفته مخالفاً لأسس ومبادئ القانون الدولي المعاصر، وطالبت إسرائيل بإلغائه واحترام أحكام القانون الدولي التي تنظم حالات الاحتلال الحربي والالتزام بتطبيقها على الجولان وكافة الأراضي العربية التي احتلت عام 1967، كما طالبت المجتمع الدولي برفض الاعتراف به أو التعامل معه.
ينبغي التأكيد أنه يتعين على
إسرائيل بصفتها دولة احتلال تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني وفي مقدمتها
تلك المنصوص عليها في اتفاية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين
وقت الحرب لعام 1949 –لاحقاً اتفاقية جنيف الرابعة، واحترام المعايير المنصوص
عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتطبيقها على نطاق
الأراضي المحتلة بما في ذلك الجولان، الأمر الذي تؤكده منظمة الأمم المتحدة،
والمؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، وفقهاء القانون الدولي.
عملاً بنصوص الاتفاقيات
الدولية لحقوق الإنسان، أقرت منظمة الأمم المتحدة وعلى لسان الأمين العام
بمبدأ سريان هذه الاتفاقيات على الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفعلية للدول
الأطراف، بما فيها الأراضي المحتلة. ويتعين التعاطي مع المعايير المنصوص
عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان بصفتها القاعدة
الأساسية وتطبيقها على المنازعات المسلحة دون استثناء، مما يلزم إسرائيل
كدولة احتلال على احترام حقوق الإنسان في الجولان المحتل طبقاً لما هو منصوص
عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهدين الدوليين لعام
1966، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع
أشكال التمييز العنصري لعام 1965، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب
المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لعام 1984 وغيرها، بما يفضي إلى
حماية حقوق سكان الأراضي المحتلة وتعزيز احترامها.
تجمع الدول ومعظم فقهاء
القانون الدولي على ضرورة تطبيق القانون الدولي الناظم للمنازعات المسلحة وما
يترتب عليها أحياناً من واقع احتلال حربي على الأراضي العربية الخاضعة
للاحتلال الإسرائيلي. ينسحب ذلك على الجولان المحتل، حيث يتعين على إسرائيل
كقوة احتلال احترام أحكام القانون الدولي الإنساني، والالتزام بتطبيقها على
هذا الإقليم وسكانه. وعلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الوفاء بتعهداتها
طبقاً للاتفاقيات بما يفضي لإرغام دولة الاحتلال بتنفيذ التزاماتها القاضية
بتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني على الجولان المحتل وفي مقدمتها
اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب. تحاول السلطات الإسرائيلية تبرير سياساتها غير المشروعة تجاه الجولان، وممارساتها التعسفية وغير الإنسانية بحق سكانه السوريين. فقد استخدمت مئات الأوامر العسكرية الصادرة إبان فترة الحكم العسكري التي استمرت لغاية 14/12/1981 لتمرير سياسة اقتلاع السكان الأصليين ومنعهم من العودة إلى مدنهم وقراهم التي تم تهديمها، وبناء المستوطنات على أنقاضها وتوطين المستوطنين اليهود فيها، والسيطرة الأرض والمياه، وتهميش العرب السوريين الذين تمكنوا من البقاء في الجولان، والتضييق عليهم على كافة الأصعدة.
وقد استمرت السلطات
الإسرائيلية في انتهاج نفس السياسات بعد ضمها للجولان لكن هذه المرة بحجة
تطبيق القانون الإسرائيلي الذي تم فرضة على الجولان، حيث واصلت سياسة
الاستطيان، ووضع كافة مقدرات الجولان في خدمة الاستيطان والاقتصاد
الإسرائيلي، واستمرت في انتهاج سياسة التضييق على السكان السوريين في مختلف
المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك على نحو مخالف
للمعايير التي تكفلها الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولأحكام
القانون الدولي الإنساني التي يفترض سريانها على الإقليم المحتل وسكانه. وفقاً للمصادر السورية فقد بلغ عدد سكان الجولان بعيد احتلاله وتحديداً في سنة 1966 حوالي 147613 نسمة من قوميات مختلفة. شكل العرب حوالي 80% من السكان، وتوزع الباقون قوميات مختلفة ذات أصول قفقازية (الشركس، داغستان، أسيتين، شيشان)، إضافة لحوالي 3000 نسمة من التركمان، ومئات من الأرمن.
قبل الاحتلال كان الوضع
السكاني والعمراني في القسم المحتل من الجولان مغايراً عما هو عليه اليوم،
حيث كانت المنطقة عامرة بالسكان ويقطنها حوالي 138 ألف مواطن سوري موزعين على
312 مركزا سكانيا من بلدات وقرى إضافة لمدينتين هما القنيطرة الواقعة في وسط
الجولان ومدينة فيق الواقعة جنوب الجولان. أجبرت قوات الاحتلال 131 ألف نسمة
على النزوح إلى داخل سورية، وبقي حوالي 7 آلاف نسمة موزعين على ست قرى تقع في
أقصى شمال الجولان بمحاذاة الحدود السورية اللبنانية وهي مجدل شمس، مسعدة،
بقعاثا، عين قنية، الغجر، سحيتا (تم تحويل قرية سحيتا لموقع عسكري إسرائيلي،
وذلك بعد ترحيل سكانها إلى قرية مسعدة المجاورة وتهديمها بالكامل خلال
الأعوام 1971 – 1972). بموازة ذلك، نفذت قوات الاحتلال حملة واسعة استهدفت
مسح معالم باقي القرى والمدن، فقامت بتهديمها، وبنت المستوطنات على أنقاضها،
واستولت على الأراضي ومصادر المياه، ووضعتها في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي
والمستوطنين، مستخدمة الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون الذين
تعاقبوا على حكم المنطقة وإدارتها.
حالة عينية - السيد ف:
التقت مؤسسة المرصد السيد ف
المولود عام 1953 في بيته الكائن في قرية بقعاثا المحتلة، وهو يعمل في
الزراعة. ذكر السيد ف في شهادته للباحث الميداني لمؤسسة "المرصد" أن جميع
أفراد أسرته كانوا قد غادروا الجولان خلال حرب حزيران بهدف الالتحاق بأخويه
اللذان كانا يؤديان الخدمة العسكرية في الجيش السوري، وبقي بمفرده مع جدته في
قرية بقعاثا وكان عمره آنذاك 14 عام.
شرعت السلطات الإسرائيلية منذ
بدء الاحتلال في انتهاج السياسات الهادفة إلى السيطرة على كافة موارد الجولان
ومقدراته وفي مقدمتها الأرض والمياه. وقد هدفت التغييرات "القانونية" التي تم
استحداثها على صعيد الجولان إبان فترة الحكم العسكري وبعد الضم لتحقيق هذه
السياسات.
تزامن إعلان سلطات الاحتلال
عن الجولان المحتل منطقة مغلقة بإصدار الأمر العسكري رقم 20 الذي اعتبرت
بموجبه الممتلكات الخاصة المنقولة، وغير المنقولة (العقارات، النقود، الأوراق
المالية) "أموالاً متروكةً". وتم تعيين شخصية معنوية أوكلت لها المسؤولية عن
هذه الأموال، وأوكلت لها صلاحية التصرف بها وتأجيرها بواسطة الارتباط بعقود،
وشراء وبيع الأموال المنقولة. واستغل المسؤول عن "الأموال المتروكة"، - والتي
تعود ملكيتها للحكومة السورية، وللمواطنين السوريين الذين هجروا من الجولان،
- الصلاحيات الموكلة إليه لوضع جميع الأراضي التابعة لهم تحت السيطرة المطلقة
لسلطات الاحتلال والمستوطنين الذين أجيز لهم استملاكها والتصرف بها. أضف إلى
ذلك أن الغياب القسري للمالك السوري بحكم اقتلاعه من قبل المحتل الإسرائيلي
عن الأراضي المحتلة، سهل مهمة سلطات الاحتلال في التصرف بها بحكم أنه ليس
بإمكانه الدخول معها في نزاعات تتعلق بالممتلكات.
تعمدت سلطات الاحتلال
الإسرائيلي إساءة تفسير أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تجيز
للمحتل إدارة الأملاك والأراضي الحكومية، والانتفاع بها، فوظفتها في خدمة
مشروعها الذي يهدف إلى إبقاء سيطرتها على المنطقة، وتهويدها، واستيطانها. وفي
20 تموز/يوليو 1967 أصدر القائد العسكري لقوات الاحتلال في الجولان الأمر
العسكري رقم 21 بشأن الأموال الحكومية ليضع بذلك الأموال المنقولة وغير
المنقولة في الجولان والتي تعود ملكيتها للدولة السورية تحت تصرف شخصية
اعتبارية خاضعة لهذه السلطات، وأوكل لها المسؤولية عن إدارتها، والتصرف بها
بواسطة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لذلك . 2.2.3- السيطرة على مصادر المياه
بعيد الاحتلال بوقت قصير،
باشرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ جملة من الإجراءات الهادفة للسيطرة
على المصادر والثروات المائية منتهكة بذلك القواعد الدولية المنصوص عليها في
اتفاقيات لاهاي المتعلقة بقواعد الحرب البرية لسنة 1907 المتعلقة بالتزام
دولة الاحتلال باحترام الملكية الخاصة وعدم مصادرتها، وتلك التي تحظر على
سلطة الاحتلال استخدام المؤسسات والمباني العمومية والغابات والأراضي
الزراعية ومصادر المياه التي تعود ملكيتها للدولة المعادية وإدارتها إلا وفقا
لقواعد الانتفاع (المادة 55 من الاتفاقية). – تغطية النفقات الناجمة عن الاحتلال الحربي. – حماية وتوفير مصالح ورفاهية السكان المدنيين في الإقليم المحتل. انتهكت السلطات الإسرائيلية هذه المعايير، إذ استغل القائد العسكري الصلاحيات الموكلة إليه فأصدر في 24\3\1968 الأمر العسكري رقم 120، والذي نص على تعيين مسؤول له كافة الصلاحيات المتعلقة بأعمال المياه، وذلك من أجل ضمان السيطرة على مصادر المياه الموجودة في الجولان، حيث جاء في الأمر ما يلي: "... لا يجوز لأي شخص أن يقوم ولا أن يتسبب في القيام بأعمال المياه، أو بأي منها، إلا بموجب ترخيص جدي صادر عن المسؤول ووفقاً لشروط الترخيص". بعد تمكن المحتل من السيطرة على كافة مصادر المياه حرم السكان العرب السوريين من الوصول إليها واستخدامها للأغراض الزراعية هادفاً من وراء ذلك إلى ضرب القاعدة الزراعية لهؤلاء التي كانت تشكل المصدر الأساسي لدخلهم لتصبح الزراعية مصدراً ثانوياً ومكملاً. وفي الوقت الذي توفر للمستوطنين كميات غير محدودة من المياه، وبأسعار رمزية، شرعت سلطات الاحتلال مؤخراً بمد المزارعين العرب في الجولان بكميات قليلة من المياه المخصصة لأغراض الزراعة (الري)، وذلك بأسعار مضاعفة، علماً أن الكمية المخصصة للمزارع العربي السوري لا تتجاوز 10% من تلك المخصصة للمستوطن اليهودي الذي يمارس الزراعة. 2.3- المدارس وتغيير المناهج الدراسية أقدمت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال مباشرة إلى تغيير المناهج الدراسة السورية التي كان معمولاً بها في مدارس الجولان، واستبدلتها بمناهج إسرائيلية. وقد تم فرض المناهج الدراسية الجديدة على السكان العرب عنوة رغم معارضتهم الشديدة لها. ومن أخطر ما ترتب على المناهج الدراسية المستحدثة من قبل المحتل، تجاهلها التام للهوية والثقافة العربيتين، ولحضارة وتاريخ السكان المحليين، إضافة لعدم استجابتها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان بحكم انتهاكها للحقوق الثقافية للسكان، وتركيزها على البعد الطائفي وذلك في إطار محاولة فصل العرب السوريين عن جذورهم القومية، والثقافية، وعن التقاليد والتراث العربيين، والتعاطي مع الجولان كجزءً لا يتجزأ من إسرائيل. وتحتكر سلطات الاحتلال إدارة المدارس في الجولان، حيث تقوم بتعيين إدارات من الأشخاص الموالين لها، والمستعدين لتنفيذ المناهج الدراسية الموجهة لتمرير السياسات الإسرائيلية الهادفة لعزل طلبة المدارس عن محيطهم وثقافتهم العربية. وترفض السلطات وإدارات المدارس أي تدخل من قبل أهالي الطلبة لمراقبة المسيرة التعليمية، ومستوى أداء الهيئة التعليمية، أو التدخل في أساليب وطرق التعليم المتبعة، مما يجعل هذه الإدارات، والهيئات التعليمية خارج نطاق المراقبة والمساءلة، وذلك خلافاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان. 2.4- فرض المجالس المحلية:
في سياق اتباعها لسياسة الضم
بالأمر الواقع، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 1976 إلى استحداث خمس
مجالس محلية في كافة القرى السورية المحتلة، وفرضتها على السكان السوريين.
يرفض المواطنين العرب السوريين في الجولان الاعتراف بالمجالس التي تم إنشاءها
باعتبارها غير شرعية، في حين تحرص سلطات الاحتلال على تعيين لجان لإدارة هذه
المجالس من الأشخاص الموالين لها، والمتعاونين معها، مما يجعلها خارج نطاق
الرقابة والمساءلة إلا من قبل المحتل. باشرت المجالس المحلية منذ إنشاءها
السيطرة على كافة مناحي الحياة اليومية (الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية)
للسكان والتحكم بها من خلال إدارة مختلف أنظمة الخدمات كالكهرباء، والماء،
المشاريع التطويرية، البناء، المدارس بكافة مستوياتها حيث تديرها بصورة
اعتباطية وردئية للغاية لا تتناسب مع المعايير الحديثة والمتمدنة، كما أنها
لا تستجيب في غالبية الأحيان للمعايير الدنيا المفترض توافرها لضمان سلامة،
ورفاه، وراحة السكان. ينطلق علم التخطيط المكاني من مفهوم إيجاد البنى التحتية التي من شأنها أن تساهم في تطوير الظروف المعيشية للإنسان، وبالتالي من أجل رفاهيته. فسياسة التخطيط المكاني ما هي إلا إنعكاس لإرادة السلطة في كيفية رسم وتشكيل البيئة الحياتية للفرد والمجتمع الواقعين تحت سيطرتها. لكن سياسة التخطيط التي تنتهجها إسرائيل تجاه مواطنيها العرب وفي الأراضي المحتلة تقوم على التمييز، وبالتالي تهدف فقط إلى تحقيق مصالح وحاجيات الجهة المسيطرة (اليهود) ومن ثم تهميش حاجيات ومصالح الفئة المسيطر عليها (العرب).
تنتهج السلطات الإسرائيلية
سياسة التضييق على العرب السوريين في الجولان فتمنعهم من البناء لأغراض
السكن، والبناء لأغراض التطوير، وإقامة المشاريع التطويرية فتصادر الأراضي،
وتعلن عنها مناطق خضراء أو مناطق حيوية للمصلحة العامة، وذلك لمنعهم من
استخدامها لأغراض البناء وغيرها.
إن وضع القرى العربية في
الجولان المحتل يتميز بمستوى منخفض من حيث توفر البنى التحتية وجودتها،
فالسكان العرب يعانون جراء انتهاج سلطات الاحتلال لسياسة التضييق العمراني
تجاههم، والنقص الخطير الحاصل على صعيد تطوير الأمور الحيوية من حيث وضع
الشوارع، ومياه الصرف، وتطوير بناء المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية،
توفير بنى تحتية للمناطق الصناعية.
منذ بدء الاحتلال باشرت سلطات
الاحتلال الإسرائيلي باتباع مختلف السياسات الهادفة لضم الجولان - الضم
بالأمر الواقع De Facto
Annexation. وفي الوقت
الذي كان القادة العسكريون يديرون الجولان بواسطة إصدارهم للأوامر العسكرية،
دأبت سلطات الاحتلال على تمرير هذه السياسة من خلال وضع الأسس الكفيلة
بتحقيقها، فأجيز لمختلف المؤسسات الإسرائيلية الحكومية أن تمارس نشاطاتها في
الجولان، كما أنشئت محكمة مدنية إسرائيلية – محكمة الصلح – التي كان مقرها
قرية مسعدة.
بعد الإعلان عن الإضراب
المفتوح انتهجت سلطات الاحتلال سياسة العقوبات الجماعية بحق السكان العرب،
فأعلنت القرى الأربعة بمثابة منطقة عسكرية مغلقة مستندة بذلك على أحكام
المادة 125 من أنظمة الطوارئ لعام 1945. وبحلول 31 أذار فرضت قوات الاحتلال
نظام منع التجول على القرى الأربعة وذلك لغاية 2 نيسان 1982حيث حظر على
السكان مغادرة بيوتهم، أو الخروج إلى ساحات البيوت، أو حتى فتح الستائر
والنظر إلى الخارج، وانتشر آلاف الجنود في كافة القرى، وباشروا باقتحام
البيوت وتوزيع الهويات الإسرائيلية على العرب بواسطة اليد مستخدمين مختلف
الطرق لإجبارهم على استلامها. قوبلت هذه الممارسات برفض المواطنين الذين
كانوا يلقون بالهويات إلى الشوارع، وبعد انتهاء قوات الاحتلال من مهمة
التوزيع غادرت القرى في صبيحة 3 نيسان حيث خرج المواطنون إلى الشوارع ليقوم
السكان بجمع الهويات وإحراقها في الساحات الرئيسية للقرى، وإرسال قسم منها
بطرود بريدية إلى الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي.
2.6.2- الفصل من العمل لجأت سلطات الاحتلال في بداية الإضراب المناهض للضم عام 1982 لاستخدام مختلف الأساليب التي من شأنها الضغط على السكان العرب السوريين وحملهم على إنهاء الإضراب بما فيها تلك المتمثلة بحرمانهم من مصادر دخلهم، والمساس بمصادر رزقهم ومعيشة أسرهم. وفي هذا السياق، لجأت الشركات الإسرائيلية وتحديداً شركات البناء إلى اتباع سياسة فصل العمال المضربين من أماكن عملهم، وحرمانهم من التعويضات،ومصادرة مستحقاتهم المتراكمة لديها خلال ما يزيد عن عقد من العمل المتواصل. لم تنجح هذه السياسات في حمل العمال على وقف الإضراب بالرغم من أنها صادرت حقهم الأساسي في التعويض، والذي تمثل بسرقة المستحقات المتراكمة لهؤلاء، وفقدانهم لأماكن عملهم منتهكة بذلك المعايير المنصوص عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
2.6.2.1- فصل المعلمين
عملت سلطات الاحتلال بشتى
الطرق على كسر الإضراب الذي نفذه العرب السوريين في الجولان احتجاجاً على
القانون القاضي بضم الجولان. وقد استهدفت سياسات الاحتلال على هذا الصعيد
المساس بمصادر معيشة كافة الأشخاص الذين عبروا عن معارضتهم لسياسة الضم من
خلال الالتزام بتنفيذ الإضراب، والمشاركة في كافة فعالياته. وكان النشطاء من
معلموا المدارس من جملة الفئات التي تمت معاقبتها نتيجة مشاركتها في الإضراب،
حيث تم فصل عشرات المعلمين من وظائفهم دون تلقيهم لأي تعويضات تذكر. وقد تقدم
المعلمون الذين تعرضوا للفصل برفع قضايا لمحاكم العمل الإسرائيلية، غير أن
تلك المحاكم أقرت ب "شرعية" الفصل، وحرمتهم من حقهم في نيل تعويضاتهم
المستحقة، وذلك بصورة منافية لأبسط معايير حقوق الإنسان التي تكفل للأشخاص
الحق في التعويض، وتحظر الفصل التعسفي من مكان العمل. قامت اسرائيل منذ احتلالها الجولان السوري بزرع العديد من حقول الألغام الأرضية بحجة الأمن، كما خصصت مناطق شاسعة من اراضي الجولان كميادين لأغراض القيام بتدريبات عسكرية، تاركة ورائها كميات من المخلفات العسكرية التي تهدد حياة المدنيين.
تنتشر حقول الألغام البالغ
عددها حوالي 80 حقلاً في كافة أنحاء الجولان، وغالباً ما تعاني من الإهمال
بسبب تقاعس الجيش الإسرائيلي عن صيانتها، مما أدى لإلحاق أضرار جسيمة في
الأرواح بين السكان المدنيين. إذ قتل خلال فترة الاحتلال حوالي 20 شخصاً،
وجرح اكثر من 40 شخصاً نتيجة لإنفجار ألغام، أو نتيجة انفجار مخلفات الجيش
الإسرائيلي المهملة. يذكر أن هنالك العديد من الأطفال بين القتلى والجرحى.
2.8- الاستيطان في الجولان
شرعت سلطات الاحتلال في تنفيذ
مشاريع الاستيطان في الجولان بعد الاحتلال بعدة أسابيع، حيث أخذت بعض
المجموعات بالتوافد إلى المنطقة والإقامة فيها. وقد وضعت الحكومات
الاسرائيلية المتعاقية عدة خطط ومشاريع للاستيطان، أبرزها مشروع التخطيط
الزراعي للجولان الذي يعتبر الزراعة قاعدة أساسية لمراحل الاستيطان الاولى،
ووسيلة سهلة للسيطرة على الأرض وعلى مصادر المياه.
تجدر الإشارة إلى أنّ سلطات
الاحتلال شرعت مبكّراً في مصادرة المياه ووضعها تحت سيطرة شركة المياه
الحكومية. ومن المعلوم أنّ أكثرية مصادر المياه تتركز شمال الجولان، حيث تقع
القرى التي ظل سكانها فيها. ولذا فإنّ المصادرة كانت تعني منع أصحاب المياه
الشرعيين من الإستفادة منها، وذلك بتحويلها إلى جنوب الجولان، حيث السهول
الواسعة التي التي منحت للمستوطنين بعد أن تم طرد السكان الأصليين منها. خير
مثال على ذلك بركة رام الطبيعية الواقعة بين قرية مجدل شمس وقرية مسعدة والتي
تتسع لحوالي 13 مليون م مكعب من المياه، حيث تمت مصادرتها، ووضعت تحت تصرف
المستوطنين، ليتم بذلك حرمان سكان القرى العربية المجاورة لها والمحيطة بها
من الاستفادة منها.
إعتمد إقتصاد الجولان عشية
الحرب على الزراعة وتربية الحيوانات بشكل أساسي، حيث عمل في هذا القطاع أكثر
من 62% من القوة العاملة. أما قطاع الصناعة فشكلت نسبة العاملين فية أقل من
20% من القوة العاملة. وهذا مؤشر على أهمية المنطقة من الناحية الزراعية، فقد
قدّرت الأراضي الصالحة للزراعة في الجولان عام 1966 حوالي 107,150 هكتارا،
زرع منها 39,352 هكتاراً. وبالمقابل، شكلت مساحة المراعي 17,500 هكتاراً
وكانت معظم الاراضي بما فيها المراعي تعتمد على الامطار الغزيرة الكافية التي
تتيح قيام زراعات بعلية شتوية وصيفية، بالإضافة إلى وفرة الأعشاب للمراعي،
وإلى مساحات قليلة تعتمد على الري الصيفي والذي مصدره الينابيع السطحية
المحلية والبرك الطبيعية. كان القطن من الزراعات الناجحة في الجولان، فقد بلغ انتاج في سنة 1962 حوال 26 طن، وكذلك السمسم، وكلاهما يستفاد منهما صناعياً، بالاضافة إلى زراعة الفول الذي استشهر في منطقة بانياس، وزراعة محاصيل أخرى مثل الكتان واليانسون. وتأتي زراعة الأشجار المثمرة في المرتبة الثانية، وتشمل اشجار الزيتون، والتين، والرمان، والكرمة. وقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في الجولان عام 1966 حوالي 4,310 هكتاراً، انتشرت في الجزء الشمالي الاوسط من الجولان. هذا وقد اعتمد سكان الجولان على تربية الحيوانات نتيجة وفرة المراعي وغناها بالاعشاب. وأهم هذه الحيوانات الأغنام، الأبقار، الماعز، والخيل. وقد ازدهرت في الجولان تربية الدواجن، والطيور، وكذلك تربية النحل وإنتاج العسل. أمّا الصناعة فكانت تشكل قطاعاً ثانوياً، إذ عمل بجميع فروع الصناعة حوالي 5 آلاف عامل 1967 من مجموع القوى العاملة، وهي تضم الحرفيين، والصناع والمشتغلين في أعمال البناء، والنقل، والمواصلات. وقد تمركز أغلب العاملين في الصناعة في مدينة القنيطرة، ومعظمهم يعمل في صناعات حرفية صغيرة كالحدادة، والنجارة، وصناعة الأدوات الزراعية البسيطة وإصلاحها، بالإضافة إلى بعض الصناعات النسيجية اليدوية كصناعة السجاد، والبسط،والخيام، ودباغة الجلود، وصناعة الحبال. وقد شكلت مدينة القنيطرة مركزاً هاماً نسبياً ازدهرت فيه التجارة في فترة ما قبل الإحتلال. لكن هذا الازدهار لم يدم طويلاً، فابان الحرب استطاعت آلة الحرب الاسرائيلية محو واقتلاع القسم الأكبر من الجولان، وبالذات مدينة القنيطرة التي قامت سلطات الإحتلال بتفريغ البيوت فيها من محتوياتها وبيعها في اسرائيل قبل الشروع في عملية التهديم التي اسفرت عن مسح معظم مباني المدينة واحراق معظم اراضيها. 2.10- السياسة الاقتصادية لسلطات الاحتلال تجاه العرب
لقد تميزت السياسة
الاسرائيلية تجاه الجولان منذ بدء الإحتلال بالعدائية، والوحشية، وعدم
الوضوح، فعزلت مناطق السكان السوريين عن الوطن بعكس ما كان عليه الأمر في
الضفة والقطاع. انعكست هذه السياسة سلبيا على الوضع الحياتي والمعيشي اليومي،
حيث تحول المركز الذي ارتبطت به حياة الناس إلى مناطق مدمرة وخالية من
السكان. وقد أدى هذا إلى تصدع العلاقات الاجتماعية – والاقتصادية للعرب
السوريين، حيث عاودت سلطات الإحتلال منذ البدء بإعادة تشكيل هذه العلاقات بما
يتلائم مع سياساتها، ومصالحها. وقد سهلت سياسة الاغلاق والعزل هذا الامر، إذ
فرضت على السكان علاقات تجارية واقتصادية قسرية بالسوق الاسرائيلية. زد على
ذلك الموظفين والعمال الذين فقدوا أعمالهم نتيجة الاحتلال.
إنّ ما يميز سياسة الإحتلال
في الجولان هو العمل الحثيث على مصادرة الأراضي خدمة للاستيطان، أو لأغراض
عسكرية – أمنية. ونتيجة لذلك، فقد السكان اكثر من نصف أملاكهم الزراعية التي
هي عماد اقتصادهم. وقد شملت هذه المصادرات بالاضافة إلى أراض زراعية معظم
المراعي، وتم منع الحيوانات من دخولها مما اضطر اصحابها إلى هجر تربية
الحيوانات الذي كان أحد الأعمدة الاقتصادية للسكان العرب، حيث نجحت سلطات
الاحتلال في القضاء على هذا القطاع الاقتصادي الحيوي الذي اعتاش منه مئات
العائلات في الجولان. وقد تحوّلت مساحات واسعة من المراعي والاراضي الزراعية
التي صادرها الإحتلال إلى مناطق عسكرية وحقول ألغام، وحرم أصحابها من الدخول
اليها. تلعب زراعة التفاح دوراً اساسياً في مصدر دخل، وتؤدي إلى زيادة ارتباط المزارع بالارض، والحؤول دون مصادرتها باعتبارها مغروسه بالاشجار. إن سياسة الحصار والمصادرة للاراضي جعلت السكان ينجحون في تحويل قسم كبير من الأراضي البعلية إلى أراض صالحة للزراعة، وغرسها بالأشجار المثمرة عبر استثمار مبالغ طائلة فيها. لكن عملية استصلاح الأراضي الوعره لم تكن مجدي من الناحية الاقتصادية، بل مكلفة للسكان. لكن ذلك كان السبيل الوحيد للحفاظ على هذه الأرض. زد على ذلك فإن زراعة الاشجار المثمرة بحاجة الى مياه من أجل الري، وهذا ما حاولت السلطات الاسرائيليه حرمان المزارعين منه بمصادرتها لكافة مصادر المياه السطحية والجوفية. لاحقاً قام المستوطنون بانشاء مجمعات مياه اصطناعية في وسط وجنوب الهضبة، مما جعل شركة المياه موكوروت تقوم بتخصيص كميات قليلة من مياه البحيرة لري مساحات محدودة من الأراضي المجاورة والتي يمتلكها العرب لكن بمخصصات لا تتجاوز 10% من احتياجات الري وباسعار عالية وباهضة التكاليف هدفها من ذلك إكراه الناس على التخلي عن الزراعة التي شكلت وتشكل جزءً من الصمود والبقاء.
2.10.1- نشاط المستوطنين الاقتصادي للإستيطان الإسرائيلي في الجولان هدفه الإقتصادي بلا شك، حيث شرعت السلطات الإسرائيلية وبعد الإحتلال مباشرة على التثبت من السيطرة على الأراضي واقامة المشاريع والدراسات الموسعة والمعمقة لأساليب الإستغلال الإقتصادي للأراضي المنهوبة. فالأرض غنية ومتنوعة بتنوع مناخها على الرغم من صغر مساحتها، وقد راعت سياسة التخطيط الإستيطاني هذا التنوع، ويلاحظ في هذا المجال شكل الأنتشار الزراعي والصناعي والسياحي. فمثلا: الجولان الشمالي، بالإضافة الى استغلاله العسكري، يستغل للسياحة (أهم مراكز السياحة هو موقع التزلج على الثلج على جبل الشيخ، الذي يجتذب السياح في الشتاء والصيف. ومن الجدير ذكره هنا أنه تمت مصادرة قسم كبير من الأراضي التابعهلسكان قرية مجدل شمس من أجل اقامة هذا الموقع). نتيجة للطقس البارد الذي يسود شمال الجولان ووفرة مياهه، قامت سلطات الإحتلال بانشاء المستوطنات الزراعية التي اعتمدت على زراعة الأشجار المثمرة التي تتلاءم مع المناخ، حيث انتشرت زراعة التفاحيات واللوزيات والكرز. هذا بالأضافه الى اعتماد التصنيع الزراعي وإقامة بعض المعامل المختصة بعصر وتجفيف قسم من الإنتاج. أما الجولان الجنوبي المتميز بمناخ دافىء ودرجات حرارة مرتفعة فقد ركزت المستوطنات على زراعة أصناف خضار، أو فواكه استوائية مثل المانغو، والافوكادو، والموز بالأضافه الى زراعة الحبوب والقطن في السهول الجنوبيه للجولان. أن تنوع المحاصيل الزراعية وعلى مدار السنة خلق للجولان أهمية اقتصاديه ندر مثيلها. إضافه إلى ذلك، هنالك مساحات واسعة تستعمل كمراعي طبيعية نتيجة وفرة النباتات والحشائش التي تشكل علفا جيدا للماشية دون أي تكلفة تذكر، وذلك نتيجة لوفرة المياه، والأمطار الغزيرة على مدار السنة. فتربية الحيوانات تعتبر قطاعا هاما يزود إسرائيل بكميات وافرة من الحليب رفيع الجودة، واللحوم الطازجة، إضافة إلى تربية النحل، وإنتاج العسل، وتربية الأسماك في الأحواض الأصطناعية. لذلك يمكن القول أن المنتجات الزراعية والحيوانية في الجولان تسهم في تقوية الإقتصاد الإسرائيلي، هذا عدا عن مصادر كبيرة للمياه المعدنية التي اقيمت من اجلها المعامل حيث تستغل وتوزع على السوق على نطاق واسع.
أما الجانب الصناعي فله نصيبه
الهام، حيث اقيمت في الجولان عشرات المصانع والمعامل المتخصصة بمجالات انتاج
متعددة. فمثلا هناك مصانع للأدوات الكهربائية والإلكترونية، ومصانع لأدوات
التدفئة، وللصناعات التحويلية التي يتم انتاجها وتصديرها للخارج. بالأضافة
إلى قطاع صناعة الخمور المتطور نظراً لنجاعة زراعة الكرمة الملائمة لذلك في
الجولان، حيث أنه يعتبر من أجود الخمور التي تقوم إسرائيل بتصديرها إلى الدول
الأوروبية، وأمريكا الشمالية، وكندا، واستراليا.
الجولان السوري المحتل تمهيد احتلت إسرائيل الجولان عام 1967، وذلك إبان عدوان حزيران. وأصدرت منظمة الأمم المتحدة منذ ذلك الوقت العديد من القرارات الدولية الداعية إلى إنهاء الاحتلال، وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي المحتلة، وبضمنها الجولان. من جهتها، ترفض إسرائيل تنفيذ تلك القرارات التي أكدت على عدم مشروعية الاحتلال الذي يمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ويشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين، حيث مضى على الاحتلال أكثر من 37 عاماً متواصلة. باشرت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال بتنفيذ السياسات التي كانت الحركة الصهيونية قد أعدتها في مراحل سابقة، والتي تم التعبير عنها من خلال العديد من الرسائل التي بعث بها مؤسسو الحركة إلى العديد الحكومات، وللمؤتمرات الدولية، كتلك التي أرسلت إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس في 3 شباط/فبراير 1919، ووضعت التصورات بشأن "دولة اليهود" في المستقبل، حيث ورد فيها: "... أن جبل الشيخ يعتبر حيوياً بالنسبة لدولتنا المستقبلية، وأن سلخ هذا الجبل عن هذه الدولة من شأنه أن ينزل بها ضربة حقيقية" 1 – التغييرات القانونية
أخذت السلطات الإسرائيلية
تمهد لضم الجولان مستخدمة آليات الحكم العسكري بأن أوكلت السلطة لقادة
عسكريين – سلطة عسكرية، أسندت إليهم مهام "التشريع" من خلال إصدار الأوامر
العسكرية. وقد تمخض عن مئات الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون
في الجولان تثبيت الوضع الناجم عن الاحتلال، والمتمثل باقتلاع الغالبية
العظمى من السوريين -السكان الأصليين، والقيام بعملية تهديم واسعة وشاملة
للمدن والقرى والبلدات التي كانوا يقطنونها، وطمس معالم الحضارة العربية لهذا
الإقليم. ومن خلال الأوامر العسكرية استطاعت دولة الاحتلال السيطرة على
الأرض، ومصادر المياه، ومختلف الثروات. استمرت الإدارة العسكرية للجولان حتى تاريخ 14/12/1981 وهو تاريخ إصدار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي للقانون القاضي بضم الجولان. وأدانت منظمة الأمم المتحدة قانون الضم بصفته مخالفاً لأسس ومبادئ القانون الدولي المعاصر، وطالبت إسرائيل بإلغائه واحترام أحكام القانون الدولي التي تنظم حالات الاحتلال الحربي والالتزام بتطبيقها على الجولان وكافة الأراضي العربية التي احتلت عام 1967، كما طالبت المجتمع الدولي برفض الاعتراف به أو التعامل معه.
ينبغي التأكيد أنه يتعين على
إسرائيل بصفتها دولة احتلال تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني وفي مقدمتها
تلك المنصوص عليها في اتفاية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين
وقت الحرب لعام 1949 –لاحقاً اتفاقية جنيف الرابعة، واحترام المعايير المنصوص
عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتطبيقها على نطاق
الأراضي المحتلة بما في ذلك الجولان، الأمر الذي تؤكده منظمة الأمم المتحدة،
والمؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، وفقهاء القانون الدولي.
عملاً بنصوص الاتفاقيات
الدولية لحقوق الإنسان، أقرت منظمة الأمم المتحدة وعلى لسان الأمين العام
بمبدأ سريان هذه الاتفاقيات على الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفعلية للدول
الأطراف، بما فيها الأراضي المحتلة. ويتعين التعاطي مع المعايير المنصوص
عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان بصفتها القاعدة
الأساسية وتطبيقها على المنازعات المسلحة دون استثناء، مما يلزم إسرائيل
كدولة احتلال على احترام حقوق الإنسان في الجولان المحتل طبقاً لما هو منصوص
عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهدين الدوليين لعام
1966، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع
أشكال التمييز العنصري لعام 1965، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب
المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لعام 1984 وغيرها، بما يفضي إلى
حماية حقوق سكان الأراضي المحتلة وتعزيز احترامها.
تجمع الدول ومعظم فقهاء
القانون الدولي على ضرورة تطبيق القانون الدولي الناظم للمنازعات المسلحة وما
يترتب عليها أحياناً من واقع احتلال حربي على الأراضي العربية الخاضعة
للاحتلال الإسرائيلي. ينسحب ذلك على الجولان المحتل، حيث يتعين على إسرائيل
كقوة احتلال احترام أحكام القانون الدولي الإنساني، والالتزام بتطبيقها على
هذا الإقليم وسكانه. وعلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الوفاء بتعهداتها
طبقاً للاتفاقيات بما يفضي لإرغام دولة الاحتلال بتنفيذ التزاماتها القاضية
بتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني على الجولان المحتل وفي مقدمتها
اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب. تحاول السلطات الإسرائيلية تبرير سياساتها غير المشروعة تجاه الجولان، وممارساتها التعسفية وغير الإنسانية بحق سكانه السوريين. فقد استخدمت مئات الأوامر العسكرية الصادرة إبان فترة الحكم العسكري التي استمرت لغاية 14/12/1981 لتمرير سياسة اقتلاع السكان الأصليين ومنعهم من العودة إلى مدنهم وقراهم التي تم تهديمها، وبناء المستوطنات على أنقاضها وتوطين المستوطنين اليهود فيها، والسيطرة الأرض والمياه، وتهميش العرب السوريين الذين تمكنوا من البقاء في الجولان، والتضييق عليهم على كافة الأصعدة.
وقد استمرت السلطات
الإسرائيلية في انتهاج نفس السياسات بعد ضمها للجولان لكن هذه المرة بحجة
تطبيق القانون الإسرائيلي الذي تم فرضة على الجولان، حيث واصلت سياسة
الاستطيان، ووضع كافة مقدرات الجولان في خدمة الاستيطان والاقتصاد
الإسرائيلي، واستمرت في انتهاج سياسة التضييق على السكان السوريين في مختلف
المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك على نحو مخالف
للمعايير التي تكفلها الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولأحكام
القانون الدولي الإنساني التي يفترض سريانها على الإقليم المحتل وسكانه. وفقاً للمصادر السورية فقد بلغ عدد سكان الجولان بعيد احتلاله وتحديداً في سنة 1966 حوالي 147613 نسمة من قوميات مختلفة. شكل العرب حوالي 80% من السكان، وتوزع الباقون قوميات مختلفة ذات أصول قفقازية (الشركس، داغستان، أسيتين، شيشان)، إضافة لحوالي 3000 نسمة من التركمان، ومئات من الأرمن.
قبل الاحتلال كان الوضع
السكاني والعمراني في القسم المحتل من الجولان مغايراً عما هو عليه اليوم،
حيث كانت المنطقة عامرة بالسكان ويقطنها حوالي 138 ألف مواطن سوري موزعين على
312 مركزا سكانيا من بلدات وقرى إضافة لمدينتين هما القنيطرة الواقعة في وسط
الجولان ومدينة فيق الواقعة جنوب الجولان. أجبرت قوات الاحتلال 131 ألف نسمة
على النزوح إلى داخل سورية، وبقي حوالي 7 آلاف نسمة موزعين على ست قرى تقع في
أقصى شمال الجولان بمحاذاة الحدود السورية اللبنانية وهي مجدل شمس، مسعدة،
بقعاثا، عين قنية، الغجر، سحيتا (تم تحويل قرية سحيتا لموقع عسكري إسرائيلي،
وذلك بعد ترحيل سكانها إلى قرية مسعدة المجاورة وتهديمها بالكامل خلال
الأعوام 1971 – 1972). بموازة ذلك، نفذت قوات الاحتلال حملة واسعة استهدفت
مسح معالم باقي القرى والمدن، فقامت بتهديمها، وبنت المستوطنات على أنقاضها،
واستولت على الأراضي ومصادر المياه، ووضعتها في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي
والمستوطنين، مستخدمة الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون الذين
تعاقبوا على حكم المنطقة وإدارتها.
حالة عينية - السيد ف:
التقت مؤسسة المرصد السيد ف
المولود عام 1953 في بيته الكائن في قرية بقعاثا المحتلة، وهو يعمل في
الزراعة. ذكر السيد ف في شهادته للباحث الميداني لمؤسسة "المرصد" أن جميع
أفراد أسرته كانوا قد غادروا الجولان خلال حرب حزيران بهدف الالتحاق بأخويه
اللذان كانا يؤديان الخدمة العسكرية في الجيش السوري، وبقي بمفرده مع جدته في
قرية بقعاثا وكان عمره آنذاك 14 عام.
شرعت السلطات الإسرائيلية منذ
بدء الاحتلال في انتهاج السياسات الهادفة إلى السيطرة على كافة موارد الجولان
ومقدراته وفي مقدمتها الأرض والمياه. وقد هدفت التغييرات "القانونية" التي تم
استحداثها على صعيد الجولان إبان فترة الحكم العسكري وبعد الضم لتحقيق هذه
السياسات.
تزامن إعلان سلطات الاحتلال
عن الجولان المحتل منطقة مغلقة بإصدار الأمر العسكري رقم 20 الذي اعتبرت
بموجبه الممتلكات الخاصة المنقولة، وغير المنقولة (العقارات، النقود، الأوراق
المالية) "أموالاً متروكةً". وتم تعيين شخصية معنوية أوكلت لها المسؤولية عن
هذه الأموال، وأوكلت لها صلاحية التصرف بها وتأجيرها بواسطة الارتباط بعقود،
وشراء وبيع الأموال المنقولة. واستغل المسؤول عن "الأموال المتروكة"، - والتي
تعود ملكيتها للحكومة السورية، وللمواطنين السوريين الذين هجروا من الجولان،
- الصلاحيات الموكلة إليه لوضع جميع الأراضي التابعة لهم تحت السيطرة المطلقة
لسلطات الاحتلال والمستوطنين الذين أجيز لهم استملاكها والتصرف بها. أضف إلى
ذلك أن الغياب القسري للمالك السوري بحكم اقتلاعه من قبل المحتل الإسرائيلي
عن الأراضي المحتلة، سهل مهمة سلطات الاحتلال في التصرف بها بحكم أنه ليس
بإمكانه الدخول معها في نزاعات تتعلق بالممتلكات.
تعمدت سلطات الاحتلال
الإسرائيلي إساءة تفسير أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تجيز
للمحتل إدارة الأملاك والأراضي الحكومية، والانتفاع بها، فوظفتها في خدمة
مشروعها الذي يهدف إلى إبقاء سيطرتها على المنطقة، وتهويدها، واستيطانها. وفي
20 تموز/يوليو 1967 أصدر القائد العسكري لقوات الاحتلال في الجولان الأمر
العسكري رقم 21 بشأن الأموال الحكومية ليضع بذلك الأموال المنقولة وغير
المنقولة في الجولان والتي تعود ملكيتها للدولة السورية تحت تصرف شخصية
اعتبارية خاضعة لهذه السلطات، وأوكل لها المسؤولية عن إدارتها، والتصرف بها
بواسطة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لذلك . 2.2.3- السيطرة على مصادر المياه
بعيد الاحتلال بوقت قصير،
باشرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ جملة من الإجراءات الهادفة للسيطرة
على المصادر والثروات المائية منتهكة بذلك القواعد الدولية المنصوص عليها في
اتفاقيات لاهاي المتعلقة بقواعد الحرب البرية لسنة 1907 المتعلقة بالتزام
دولة الاحتلال باحترام الملكية الخاصة وعدم مصادرتها، وتلك التي تحظر على
سلطة الاحتلال استخدام المؤسسات والمباني العمومية والغابات والأراضي
الزراعية ومصادر المياه التي تعود ملكيتها للدولة المعادية وإدارتها إلا وفقا
لقواعد الانتفاع (المادة 55 من الاتفاقية). – تغطية النفقات الناجمة عن الاحتلال الحربي. – حماية وتوفير مصالح ورفاهية السكان المدنيين في الإقليم المحتل. انتهكت السلطات الإسرائيلية هذه المعايير، إذ استغل القائد العسكري الصلاحيات الموكلة إليه فأصدر في 24\3\1968 الأمر العسكري رقم 120، والذي نص على تعيين مسؤول له كافة الصلاحيات المتعلقة بأعمال المياه، وذلك من أجل ضمان السيطرة على مصادر المياه الموجودة في الجولان، حيث جاء في الأمر ما يلي: "... لا يجوز لأي شخص أن يقوم ولا أن يتسبب في القيام بأعمال المياه، أو بأي منها، إلا بموجب ترخيص جدي صادر عن المسؤول ووفقاً لشروط الترخيص". بعد تمكن المحتل من السيطرة على كافة مصادر المياه حرم السكان العرب السوريين من الوصول إليها واستخدامها للأغراض الزراعية هادفاً من وراء ذلك إلى ضرب القاعدة الزراعية لهؤلاء التي كانت تشكل المصدر الأساسي لدخلهم لتصبح الزراعية مصدراً ثانوياً ومكملاً. وفي الوقت الذي توفر للمستوطنين كميات غير محدودة من المياه، وبأسعار رمزية، شرعت سلطات الاحتلال مؤخراً بمد المزارعين العرب في الجولان بكميات قليلة من المياه المخصصة لأغراض الزراعة (الري)، وذلك بأسعار مضاعفة، علماً أن الكمية المخصصة للمزارع العربي السوري لا تتجاوز 10% من تلك المخصصة للمستوطن اليهودي الذي يمارس الزراعة. 2.3- المدارس وتغيير المناهج الدراسية أقدمت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال مباشرة إلى تغيير المناهج الدراسة السورية التي كان معمولاً بها في مدارس الجولان، واستبدلتها بمناهج إسرائيلية. وقد تم فرض المناهج الدراسية الجديدة على السكان العرب عنوة رغم معارضتهم الشديدة لها. ومن أخطر ما ترتب على المناهج الدراسية المستحدثة من قبل المحتل، تجاهلها التام للهوية والثقافة العربيتين، ولحضارة وتاريخ السكان المحليين، إضافة لعدم استجابتها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان بحكم انتهاكها للحقوق الثقافية للسكان، وتركيزها على البعد الطائفي وذلك في إطار محاولة فصل العرب السوريين عن جذورهم القومية، والثقافية، وعن التقاليد والتراث العربيين، والتعاطي مع الجولان كجزءً لا يتجزأ من إسرائيل. وتحتكر سلطات الاحتلال إدارة المدارس في الجولان، حيث تقوم بتعيين إدارات من الأشخاص الموالين لها، والمستعدين لتنفيذ المناهج الدراسية الموجهة لتمرير السياسات الإسرائيلية الهادفة لعزل طلبة المدارس عن محيطهم وثقافتهم العربية. وترفض السلطات وإدارات المدارس أي تدخل من قبل أهالي الطلبة لمراقبة المسيرة التعليمية، ومستوى أداء الهيئة التعليمية، أو التدخل في أساليب وطرق التعليم المتبعة، مما يجعل هذه الإدارات، والهيئات التعليمية خارج نطاق المراقبة والمساءلة، وذلك خلافاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان. 2.4- فرض المجالس المحلية:
في سياق اتباعها لسياسة الضم
بالأمر الواقع، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 1976 إلى استحداث خمس
مجالس محلية في كافة القرى السورية المحتلة، وفرضتها على السكان السوريين.
يرفض المواطنين العرب السوريين في الجولان الاعتراف بالمجالس التي تم إنشاءها
باعتبارها غير شرعية، في حين تحرص سلطات الاحتلال على تعيين لجان لإدارة هذه
المجالس من الأشخاص الموالين لها، والمتعاونين معها، مما يجعلها خارج نطاق
الرقابة والمساءلة إلا من قبل المحتل. باشرت المجالس المحلية منذ إنشاءها
السيطرة على كافة مناحي الحياة اليومية (الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية)
للسكان والتحكم بها من خلال إدارة مختلف أنظمة الخدمات كالكهرباء، والماء،
المشاريع التطويرية، البناء، المدارس بكافة مستوياتها حيث تديرها بصورة
اعتباطية وردئية للغاية لا تتناسب مع المعايير الحديثة والمتمدنة، كما أنها
لا تستجيب في غالبية الأحيان للمعايير الدنيا المفترض توافرها لضمان سلامة،
ورفاه، وراحة السكان. ينطلق علم التخطيط المكاني من مفهوم إيجاد البنى التحتية التي من شأنها أن تساهم في تطوير الظروف المعيشية للإنسان، وبالتالي من أجل رفاهيته. فسياسة التخطيط المكاني ما هي إلا إنعكاس لإرادة السلطة في كيفية رسم وتشكيل البيئة الحياتية للفرد والمجتمع الواقعين تحت سيطرتها. لكن سياسة التخطيط التي تنتهجها إسرائيل تجاه مواطنيها العرب وفي الأراضي المحتلة تقوم على التمييز، وبالتالي تهدف فقط إلى تحقيق مصالح وحاجيات الجهة المسيطرة (اليهود) ومن ثم تهميش حاجيات ومصالح الفئة المسيطر عليها (العرب).
تنتهج السلطات الإسرائيلية
سياسة التضييق على العرب السوريين في الجولان فتمنعهم من البناء لأغراض
السكن، والبناء لأغراض التطوير، وإقامة المشاريع التطويرية فتصادر الأراضي،
وتعلن عنها مناطق خضراء أو مناطق حيوية للمصلحة العامة، وذلك لمنعهم من
استخدامها لأغراض البناء وغيرها.
إن وضع القرى العربية في
الجولان المحتل يتميز بمستوى منخفض من حيث توفر البنى التحتية وجودتها،
فالسكان العرب يعانون جراء انتهاج سلطات الاحتلال لسياسة التضييق العمراني
تجاههم، والنقص الخطير الحاصل على صعيد تطوير الأمور الحيوية من حيث وضع
الشوارع، ومياه الصرف، وتطوير بناء المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية،
توفير بنى تحتية للمناطق الصناعية.
منذ بدء الاحتلال باشرت سلطات
الاحتلال الإسرائيلي باتباع مختلف السياسات الهادفة لضم الجولان - الضم
بالأمر الواقع De Facto
Annexation. وفي الوقت
الذي كان القادة العسكريون يديرون الجولان بواسطة إصدارهم للأوامر العسكرية،
دأبت سلطات الاحتلال على تمرير هذه السياسة من خلال وضع الأسس الكفيلة
بتحقيقها، فأجيز لمختلف المؤسسات الإسرائيلية الحكومية أن تمارس نشاطاتها في
الجولان، كما أنشئت محكمة مدنية إسرائيلية – محكمة الصلح – التي كان مقرها
قرية مسعدة.
بعد الإعلان عن الإضراب
المفتوح انتهجت سلطات الاحتلال سياسة العقوبات الجماعية بحق السكان العرب،
فأعلنت القرى الأربعة بمثابة منطقة عسكرية مغلقة مستندة بذلك على أحكام
المادة 125 من أنظمة الطوارئ لعام 1945. وبحلول 31 أذار فرضت قوات الاحتلال
نظام منع التجول على القرى الأربعة وذلك لغاية 2 نيسان 1982حيث حظر على
السكان مغادرة بيوتهم، أو الخروج إلى ساحات البيوت، أو حتى فتح الستائر
والنظر إلى الخارج، وانتشر آلاف الجنود في كافة القرى، وباشروا باقتحام
البيوت وتوزيع الهويات الإسرائيلية على العرب بواسطة اليد مستخدمين مختلف
الطرق لإجبارهم على استلامها. قوبلت هذه الممارسات برفض المواطنين الذين
كانوا يلقون بالهويات إلى الشوارع، وبعد انتهاء قوات الاحتلال من مهمة
التوزيع غادرت القرى في صبيحة 3 نيسان حيث خرج المواطنون إلى الشوارع ليقوم
السكان بجمع الهويات وإحراقها في الساحات الرئيسية للقرى، وإرسال قسم منها
بطرود بريدية إلى الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي.
2.6.2- الفصل من العمل لجأت سلطات الاحتلال في بداية الإضراب المناهض للضم عام 1982 لاستخدام مختلف الأساليب التي من شأنها الضغط على السكان العرب السوريين وحملهم على إنهاء الإضراب بما فيها تلك المتمثلة بحرمانهم من مصادر دخلهم، والمساس بمصادر رزقهم ومعيشة أسرهم. وفي هذا السياق، لجأت الشركات الإسرائيلية وتحديداً شركات البناء إلى اتباع سياسة فصل العمال المضربين من أماكن عملهم، وحرمانهم من التعويضات،ومصادرة مستحقاتهم المتراكمة لديها خلال ما يزيد عن عقد من العمل المتواصل. لم تنجح هذه السياسات في حمل العمال على وقف الإضراب بالرغم من أنها صادرت حقهم الأساسي في التعويض، والذي تمثل بسرقة المستحقات المتراكمة لهؤلاء، وفقدانهم لأماكن عملهم منتهكة بذلك المعايير المنصوص عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
2.6.2.1- فصل المعلمين
عملت سلطات الاحتلال بشتى
الطرق على كسر الإضراب الذي نفذه العرب السوريين في الجولان احتجاجاً على
القانون القاضي بضم الجولان. وقد استهدفت سياسات الاحتلال على هذا الصعيد
المساس بمصادر معيشة كافة الأشخاص الذين عبروا عن معارضتهم لسياسة الضم من
خلال الالتزام بتنفيذ الإضراب، والمشاركة في كافة فعالياته. وكان النشطاء من
معلموا المدارس من جملة الفئات التي تمت معاقبتها نتيجة مشاركتها في الإضراب،
حيث تم فصل عشرات المعلمين من وظائفهم دون تلقيهم لأي تعويضات تذكر. وقد تقدم
المعلمون الذين تعرضوا للفصل برفع قضايا لمحاكم العمل الإسرائيلية، غير أن
تلك المحاكم أقرت ب "شرعية" الفصل، وحرمتهم من حقهم في نيل تعويضاتهم
المستحقة، وذلك بصورة منافية لأبسط معايير حقوق الإنسان التي تكفل للأشخاص
الحق في التعويض، وتحظر الفصل التعسفي من مكان العمل. قامت اسرائيل منذ احتلالها الجولان السوري بزرع العديد من حقول الألغام الأرضية بحجة الأمن، كما خصصت مناطق شاسعة من اراضي الجولان كميادين لأغراض القيام بتدريبات عسكرية، تاركة ورائها كميات من المخلفات العسكرية التي تهدد حياة المدنيين.
تنتشر حقول الألغام البالغ
عددها حوالي 80 حقلاً في كافة أنحاء الجولان، وغالباً ما تعاني من الإهمال
بسبب تقاعس الجيش الإسرائيلي عن صيانتها، مما أدى لإلحاق أضرار جسيمة في
الأرواح بين السكان المدنيين. إذ قتل خلال فترة الاحتلال حوالي 20 شخصاً،
وجرح اكثر من 40 شخصاً نتيجة لإنفجار ألغام، أو نتيجة انفجار مخلفات الجيش
الإسرائيلي المهملة. يذكر أن هنالك العديد من الأطفال بين القتلى والجرحى.
2.8- الاستيطان في الجولان
شرعت سلطات الاحتلال في تنفيذ
مشاريع الاستيطان في الجولان بعد الاحتلال بعدة أسابيع، حيث أخذت بعض
المجموعات بالتوافد إلى المنطقة والإقامة فيها. وقد وضعت الحكومات
الاسرائيلية المتعاقية عدة خطط ومشاريع للاستيطان، أبرزها مشروع التخطيط
الزراعي للجولان الذي يعتبر الزراعة قاعدة أساسية لمراحل الاستيطان الاولى،
ووسيلة سهلة للسيطرة على الأرض وعلى مصادر المياه.
تجدر الإشارة إلى أنّ سلطات
الاحتلال شرعت مبكّراً في مصادرة المياه ووضعها تحت سيطرة شركة المياه
الحكومية. ومن المعلوم أنّ أكثرية مصادر المياه تتركز شمال الجولان، حيث تقع
القرى التي ظل سكانها فيها. ولذا فإنّ المصادرة كانت تعني منع أصحاب المياه
الشرعيين من الإستفادة منها، وذلك بتحويلها إلى جنوب الجولان، حيث السهول
الواسعة التي التي منحت للمستوطنين بعد أن تم طرد السكان الأصليين منها. خير
مثال على ذلك بركة رام الطبيعية الواقعة بين قرية مجدل شمس وقرية مسعدة والتي
تتسع لحوالي 13 مليون م مكعب من المياه، حيث تمت مصادرتها، ووضعت تحت تصرف
المستوطنين، ليتم بذلك حرمان سكان القرى العربية المجاورة لها والمحيطة بها
من الاستفادة منها.
إعتمد إقتصاد الجولان عشية
الحرب على الزراعة وتربية الحيوانات بشكل أساسي، حيث عمل في هذا القطاع أكثر
من 62% من القوة العاملة. أما قطاع الصناعة فشكلت نسبة العاملين فية أقل من
20% من القوة العاملة. وهذا مؤشر على أهمية المنطقة من الناحية الزراعية، فقد
قدّرت الأراضي الصالحة للزراعة في الجولان عام 1966 حوالي 107,150 هكتارا،
زرع منها 39,352 هكتاراً. وبالمقابل، شكلت مساحة المراعي 17,500 هكتاراً
وكانت معظم الاراضي بما فيها المراعي تعتمد على الامطار الغزيرة الكافية التي
تتيح قيام زراعات بعلية شتوية وصيفية، بالإضافة إلى وفرة الأعشاب للمراعي،
وإلى مساحات قليلة تعتمد على الري الصيفي والذي مصدره الينابيع السطحية
المحلية والبرك الطبيعية. كان القطن من الزراعات الناجحة في الجولان، فقد بلغ انتاج في سنة 1962 حوال 26 طن، وكذلك السمسم، وكلاهما يستفاد منهما صناعياً، بالاضافة إلى زراعة الفول الذي استشهر في منطقة بانياس، وزراعة محاصيل أخرى مثل الكتان واليانسون. وتأتي زراعة الأشجار المثمرة في المرتبة الثانية، وتشمل اشجار الزيتون، والتين، والرمان، والكرمة. وقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في الجولان عام 1966 حوالي 4,310 هكتاراً، انتشرت في الجزء الشمالي الاوسط من الجولان. هذا وقد اعتمد سكان الجولان على تربية الحيوانات نتيجة وفرة المراعي وغناها بالاعشاب. وأهم هذه الحيوانات الأغنام، الأبقار، الماعز، والخيل. وقد ازدهرت في الجولان تربية الدواجن، والطيور، وكذلك تربية النحل وإنتاج العسل. أمّا الصناعة فكانت تشكل قطاعاً ثانوياً، إذ عمل بجميع فروع الصناعة حوالي 5 آلاف عامل 1967 من مجموع القوى العاملة، وهي تضم الحرفيين، والصناع والمشتغلين في أعمال البناء، والنقل، والمواصلات. وقد تمركز أغلب العاملين في الصناعة في مدينة القنيطرة، ومعظمهم يعمل في صناعات حرفية صغيرة كالحدادة، والنجارة، وصناعة الأدوات الزراعية البسيطة وإصلاحها، بالإضافة إلى بعض الصناعات النسيجية اليدوية كصناعة السجاد، والبسط،والخيام، ودباغة الجلود، وصناعة الحبال. وقد شكلت مدينة القنيطرة مركزاً هاماً نسبياً ازدهرت فيه التجارة في فترة ما قبل الإحتلال. لكن هذا الازدهار لم يدم طويلاً، فابان الحرب استطاعت آلة الحرب الاسرائيلية محو واقتلاع القسم الأكبر من الجولان، وبالذات مدينة القنيطرة التي قامت سلطات الإحتلال بتفريغ البيوت فيها من محتوياتها وبيعها في اسرائيل قبل الشروع في عملية التهديم التي اسفرت عن مسح معظم مباني المدينة واحراق معظم اراضيها. 2.10- السياسة الاقتصادية لسلطات الاحتلال تجاه العرب
لقد تميزت السياسة
الاسرائيلية تجاه الجولان منذ بدء الإحتلال بالعدائية، والوحشية، وعدم
الوضوح، فعزلت مناطق السكان السوريين عن الوطن بعكس ما كان عليه الأمر في
الضفة والقطاع. انعكست هذه السياسة سلبيا على الوضع الحياتي والمعيشي اليومي،
حيث تحول المركز الذي ارتبطت به حياة الناس إلى مناطق مدمرة وخالية من
السكان. وقد أدى هذا إلى تصدع العلاقات الاجتماعية – والاقتصادية للعرب
السوريين، حيث عاودت سلطات الإحتلال منذ البدء بإعادة تشكيل هذه العلاقات بما
يتلائم مع سياساتها، ومصالحها. وقد سهلت سياسة الاغلاق والعزل هذا الامر، إذ
فرضت على السكان علاقات تجارية واقتصادية قسرية بالسوق الاسرائيلية. زد على
ذلك الموظفين والعمال الذين فقدوا أعمالهم نتيجة الاحتلال.
إنّ ما يميز سياسة الإحتلال
في الجولان هو العمل الحثيث على مصادرة الأراضي خدمة للاستيطان، أو لأغراض
عسكرية – أمنية. ونتيجة لذلك، فقد السكان اكثر من نصف أملاكهم الزراعية التي
هي عماد اقتصادهم. وقد شملت هذه المصادرات بالاضافة إلى أراض زراعية معظم
المراعي، وتم منع الحيوانات من دخولها مما اضطر اصحابها إلى هجر تربية
الحيوانات الذي كان أحد الأعمدة الاقتصادية للسكان العرب، حيث نجحت سلطات
الاحتلال في القضاء على هذا القطاع الاقتصادي الحيوي الذي اعتاش منه مئات
العائلات في الجولان. وقد تحوّلت مساحات واسعة من المراعي والاراضي الزراعية
التي صادرها الإحتلال إلى مناطق عسكرية وحقول ألغام، وحرم أصحابها من الدخول
اليها. تلعب زراعة التفاح دوراً اساسياً في مصدر دخل، وتؤدي إلى زيادة ارتباط المزارع بالارض، والحؤول دون مصادرتها باعتبارها مغروسه بالاشجار. إن سياسة الحصار والمصادرة للاراضي جعلت السكان ينجحون في تحويل قسم كبير من الأراضي البعلية إلى أراض صالحة للزراعة، وغرسها بالأشجار المثمرة عبر استثمار مبالغ طائلة فيها. لكن عملية استصلاح الأراضي الوعره لم تكن مجدي من الناحية الاقتصادية، بل مكلفة للسكان. لكن ذلك كان السبيل الوحيد للحفاظ على هذه الأرض. زد على ذلك فإن زراعة الاشجار المثمرة بحاجة الى مياه من أجل الري، وهذا ما حاولت السلطات الاسرائيليه حرمان المزارعين منه بمصادرتها لكافة مصادر المياه السطحية والجوفية. لاحقاً قام المستوطنون بانشاء مجمعات مياه اصطناعية في وسط وجنوب الهضبة، مما جعل شركة المياه موكوروت تقوم بتخصيص كميات قليلة من مياه البحيرة لري مساحات محدودة من الأراضي المجاورة والتي يمتلكها العرب لكن بمخصصات لا تتجاوز 10% من احتياجات الري وباسعار عالية وباهضة التكاليف هدفها من ذلك إكراه الناس على التخلي عن الزراعة التي شكلت وتشكل جزءً من الصمود والبقاء.
2.10.1- نشاط المستوطنين الاقتصادي للإستيطان الإسرائيلي في الجولان هدفه الإقتصادي بلا شك، حيث شرعت السلطات الإسرائيلية وبعد الإحتلال مباشرة على التثبت من السيطرة على الأراضي واقامة المشاريع والدراسات الموسعة والمعمقة لأساليب الإستغلال الإقتصادي للأراضي المنهوبة. فالأرض غنية ومتنوعة بتنوع مناخها على الرغم من صغر مساحتها، وقد راعت سياسة التخطيط الإستيطاني هذا التنوع، ويلاحظ في هذا المجال شكل الأنتشار الزراعي والصناعي والسياحي. فمثلا: الجولان الشمالي، بالإضافة الى استغلاله العسكري، يستغل للسياحة (أهم مراكز السياحة هو موقع التزلج على الثلج على جبل الشيخ، الذي يجتذب السياح في الشتاء والصيف. ومن الجدير ذكره هنا أنه تمت مصادرة قسم كبير من الأراضي التابعهلسكان قرية مجدل شمس من أجل اقامة هذا الموقع). نتيجة للطقس البارد الذي يسود شمال الجولان ووفرة مياهه، قامت سلطات الإحتلال بانشاء المستوطنات الزراعية التي اعتمدت على زراعة الأشجار المثمرة التي تتلاءم مع المناخ، حيث انتشرت زراعة التفاحيات واللوزيات والكرز. هذا بالأضافه الى اعتماد التصنيع الزراعي وإقامة بعض المعامل المختصة بعصر وتجفيف قسم من الإنتاج. أما الجولان الجنوبي المتميز بمناخ دافىء ودرجات حرارة مرتفعة فقد ركزت المستوطنات على زراعة أصناف خضار، أو فواكه استوائية مثل المانغو، والافوكادو، والموز بالأضافه الى زراعة الحبوب والقطن في السهول الجنوبيه للجولان. أن تنوع المحاصيل الزراعية وعلى مدار السنة خلق للجولان أهمية اقتصاديه ندر مثيلها. إضافه إلى ذلك، هنالك مساحات واسعة تستعمل كمراعي طبيعية نتيجة وفرة النباتات والحشائش التي تشكل علفا جيدا للماشية دون أي تكلفة تذكر، وذلك نتيجة لوفرة المياه، والأمطار الغزيرة على مدار السنة. فتربية الحيوانات تعتبر قطاعا هاما يزود إسرائيل بكميات وافرة من الحليب رفيع الجودة، واللحوم الطازجة، إضافة إلى تربية النحل، وإنتاج العسل، وتربية الأسماك في الأحواض الأصطناعية. لذلك يمكن القول أن المنتجات الزراعية والحيوانية في الجولان تسهم في تقوية الإقتصاد الإسرائيلي، هذا عدا عن مصادر كبيرة للمياه المعدنية التي اقيمت من اجلها المعامل حيث تستغل وتوزع على السوق على نطاق واسع.
أما الجانب الصناعي فله نصيبه
الهام، حيث اقيمت في الجولان عشرات المصانع والمعامل المتخصصة بمجالات انتاج
متعددة. فمثلا هناك مصانع للأدوات الكهربائية والإلكترونية، ومصانع لأدوات
التدفئة، وللصناعات التحويلية التي يتم انتاجها وتصديرها للخارج. بالأضافة
إلى قطاع صناعة الخمور المتطور نظراً لنجاعة زراعة الكرمة الملائمة لذلك في
الجولان، حيث أنه يعتبر من أجود الخمور التي تقوم إسرائيل بتصديرها إلى الدول
الأوروبية، وأمريكا الشمالية، وكندا، واستراليا.
|